الفساد، وفق النظرية الإقتصادية، هو عدو السياسات الاجتماعية، وعلى رأسها مشاريع محاربة الفقر والإنماء المتوازن.
ونرى في المراجع الإقتصادية أنه لا يُمكن التمييز بسهولة بين التداعيات السياسية والتداعيات الإقتصادية للفساد، لكن سلطة السوق (Market Power) تسمح بالتمييز بذلك من خلال نظرية ال وكيل / أصيل (Agent/Principal) حيث أن هناك أربع حالات ممكنة تضع الطلب (لاعب من القطاع العام) مع العرض (لاعب من القطاع الخاص (:
الحالة الأولى – حالة الإحتكار الثنائي: وتنص هذه الحالة على أن السلطة موزّعة بالتساوي بين لاعبي القطاع العام والخاص. وبسبب العدد القليل للنخبة السياسية والإقتصادية الحاكمة، هناك تناغم شبه كلّي بينهما ويدّخل في هذه الحالة البلدان المُتطورّة حيث عمدت النخبة إلى منع الفساد الصغير الحجم أي على مستوى الموظّف العادي.
الحالة الثانية – حالة التشرذم بين العرض والطلب: في هذه الحالة، يبقى الفساد بمستويات مُتدنّية بسبب كثرة اللاعبين من الطرفين وبالتالي فإن هناك توزيع كبير للفساد في المنظومة الإقتصادية على مثال ما يحصل في اكثر من بلد.
الحالة الثالثة – العرض يفوق الطلب: وتنصّ هذه الحالة على أن نخبة من القطاع الخاص مثل الشركات العالمية، تقوم بالضغط على القطاع العام بهدف الحفاظ على التفوق . وهذا الأمر يؤدّي إلى إخضاع الدولة للإبتزاز من قبل هذه الشركات على مثال ما حصل مع شركة النفط EFL في الدول الأفريقية في تسعينات القرن الماضي.
الحالة الرابعة – الطلب يفوق العرض أو ما يُعرف بالـ Cleptocraties: في هذه الحالة يفرض القطاع العام على القطاع الخاص حجم الرشى مما يضع القطاع الخاص في حال تنافس لتقديم الرشوى وقد يأخذ هذا التنافس منحًا عنفي في بعض الأحيان وبالتالي فإن القطاع الخاص هو في حال ضعف تجاه القطاع العام وتُصبح معه حقوق الملكية غير مُحترمة. ويتمّ تصنيف هذا النوع من الفساد على أنه فساد "مُستشري" يُعطي مفاعيل سلبية كبيرة نظرًا إلى أن لاعبي القطاع الخاص يقومون بكل ما يستطعون للحصول على مناصب في القطاع العام بهدف التخلّص من هيمنة القطاع العام وهو ما يُعرف بشراء المناصب. هذه الحالة هي حالة الفساد في لبنان!
ويطال الفساد أيضًا المالية من خلال المناقصات العامة التي تُعتبر الملعب المُفضّل للفساد، ولكن أيضًا من خلال المرافئ العامة. ويقول تقرير منظمة التعاون والتنمية أن اختيار المشروع يتم على أساس سهولة الحصول على الرشوة، وبالطبع قيمتها. كل هذا يتمّ على حساب مشاريع حيوية للإقتصاد والمجتمع. ما يؤدّي إلى اعتماد مشاريع مكلفة ودون أهمية اقتصادية وهو ما يُعرف في عالم الإقتصاد بـ"الفيل الأبيض".
الفساد في لبنان
حكاية الفساد في لبنان حكاية طويلة يعود تاريخها إلى العهد العثماني حيث الإقطاعيين اللبنانيين كانوا يعمدون إلى شراء الألقاب من الأمبراطورية العثمانية مقابل السماح لها بإستباحة الأراضي اللبنانية.
في العام 1926 زمن الانتداب الفرنسي طرحت مسألة الفساد في لبنان واعترض المنتدب على استيعاب اقرباء الرئيس شارل دباس في الادارة والزبائنية السائدة في ذلك الوقت ، وبعد دستور 1943 في عهد الشيخ بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح سيطرت المصالح العائلية والطائفية والفساد اصبح في تزايد والمتاجرة بالنفوذ وقدم الرئيس استقالته اثر الثورة البيضاء التي لم تؤدي الى اصلاح جدي، وفي العام 1952اتهم حكم الرئيس الراحل كميل شمعون بالفساد السياسي والاقتصادي ، رغم النجاح المالي والاقتصادي والتي ادت الى اندلاع ثورة 1958 .
وصول الرئيس فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة ووضعه أسس لمؤسسات الدولة (التفتيش المركزي، الخدمة المدنية، ديوان المحاسبة...) كبح من تمدّد الفساد في الدولة وإزدهر معها لبنان إقتصاديًا وإنمائيًا ، إلا أن الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان في سبعينات القرن الماضي حتى أوائل التسعينات، دفعت بالأحزاب إلى وضع يدها على مرافق الدولة وأصولها، ومع إنتهاء الحرب الأهلية تمّت قوننة الفساد وحمايته من خلال مبدأ "السلم الأهلي فوق كل إعتبار" حيث أصبح من شبه المُستحيل محاربة فاسد نظرًا إلى الحماية التي تؤمّنها له طائفته.