تخطي إلى المحتوى
تحليل

موازنة 2024 - لإسقاط الموازنة أم موازنة لإسقاط لبنان ؟

موازنة 2024 - لإسقاط الموازنة أم موازنة لإسقاط لبنان ؟

موازنة 2024 التي أعدنها الحكومة على قاعدة لا نعرف لماذا تمت مضاعفة الرسوم والضرائب أضعاف مضاعفة أحالتها الى المجلس النيابي لتبدأ لجنة المال والموازنة مناقشتها على قاعدة يجب معرفة لماذا تمت مضاعفة الرسوم والضرائب أضعافاً مضاعفة.

لقد أتى إقرار مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2024 في مجلس الوزراء بمثابة الإنجاز الكبير والبطولي، لأنها الموازنة الأولى التي يقرّها مجلس الوزراء في موعدها الدستوري منذ عام 2002 حسبما صرح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. إلّا أنّ ما هو واضح أنّ هذا التوصيف لا ينطبق على مضمونها وبنودها ومحتواها. فما أن حوّل مشروع القانون إلى مجلس النواب حتى بدأت لجنة المال والموازنة بمناقشته ليظهر الى العلن الكثير من التباين في وجهات النظر ليس فقط من الناحية المالية والإقتصادية إنما أيضاً بسبب الحسابات السياسية الضيقة. لقد ظهر التباين والإختلاف جليًّا منذ الجلسة الأولى للجنة المال والموازنة في النقاش المطوّل حول ضرورة توقيع كل الوزراء على مشروع الموازنة حيث لا يمكن الاستعاضة عن توقيع كل الوزراء، دستورياً وميثاقياً، بتوقيع رئيس الحكومة فقط، الذي بات يوقع كرئيس للحكومة وعن الحكومة كرئيس للجمهورية.

بعد تخطي لجنة المال والموازنة لقضية توقيع كل الوزراء على مشروع الموازنة المحالة ظهرت الإعتراضات بشكل متتالي بدءاً من ورود الموازنة دون قطوع الحساب ومن ثم غياب فذلكة الموازنة وعدم وجود رؤية إقتصادية للموازنة وقد وصل الأمر ببعض النواب للمطالبة بإسقاطها وإعادتها للحكومة كما هي.

هنا ظهرت قطبة مخفية عبر عنها النائب إبراهيم كنعان بأن هناك من يدفع بإتجاه عدم درس الموازنة وإعادتها للحكومة وبالتالي توفر الإعادة الشروط الدستورية لتفعيل المادة 86 من الدستور التي تمنح السلطة التنفيذية أي الحكومة صلاحية إصدار الموازنة بمرسوم دون موافقة مجلس النواب في حال لم يتمكن هذا الأخير من إقرارها طيلة العقد المخصص لدرسها (من تشرين الأول إلى نهاية السنة) وفي العقد الاستثنائي الذي يستمر لنهاية كانون الثاني من السنة الجديدة، والذي يتم تخصيصه للانتهاء من دراسة وإقرار الموازنة. فهل هناك نية فعلاً لعدم مناقشة الموازنة في مجلس النواب؟

هنا يتبادر الى الذهن السجالات والإنتقادات التي تطال الحكومة والموازنة بعد كل جلسة تعقدها لجنة المال والموازنة وأهم ما فيها هو التركيز على المخالفات التي تتضمنها الموازنة إن لناحية الضرائب والرسوم او لناحية عدم واقعية الأرقام المقدرة أو إمكانية تحققها.

وضمن هذا المسار يظهر جلياً السجال السياسي بين الحكومة والمجلس النيابي لا سيما وأن الإدارة السياسية المتمثلة بكل الكتل والأحزاب المشاركة في الحكومة تحاول طبخ طبخة معينة ظهرت بعد النقاشات تفيد وتؤشر الى أنّ هناك نية واضحة لدى الحكومة لإصدار الموازنة بمرسوم خوفاً من أن يقوم مجلس النواب أو على الأقل لجنة المال الموازنة بتطيير المواد التي تعتبر "حصان طروادة" أو المواد التي تنصّ على زيادة ضرائب والرسوم على الناس. كذلك لم يتم تحديد سعر الصرف المعتمد بشكل واضح. أما بالشكل فلا تزال الموازنة تحتسب النفقات ومن ثم تفتش عن الإيرادات لتغطية هذه النفقات. أيضاً الموازنة لا تتضمن حلولاً لأي معضلة إن كان على صعيد القطاع العام وإعادة هيكلته وإعطاء الموظفين حقوقهم أو حل مشكلة المتعاقدين ورواتبهم المتدنية أو إنشاء إدارة رشيقة وعصرية ومستدامة لتلبية الناس وخلق بيئة آمنة وهذه كلها إعتراضات من بعض النواب ورغم كل ما ذكر ترغب الحكومة أن تصدرها بمرسوم وكأن الامر نهائي ولا يوجد إمكانية لتعديلها أو حتى مناقشتها .

كيف يتوقف هذا الهزل ؟ وهل ستنتهي مسرحية الصراع السياسي الدائر حول الموازنة الى إنتصار الإرادة السياسية للحكومة المتمثلة بكل الكتل والأحزاب المشاركة فيها أو الى فشل الإرادة السياسية للمجلس النيابي المتمثلة بكل الأحزاب والكتل السياسية ذاتها المكونة للحكومة . سؤال تصعب الإجابة عليه في وقت أصبح العمل الدستوري في لبنان مطية للقوى والأحزاب المحتكرة للسلطة التي تستمر في تعطيل الحياة الدستورية اللبنانية من خلال إستمرارها في تعطيل إنتخاب رئيس للجمهورية وإستمرارها في إعاقة عمل الحكومة ومن خلال جعل المجلس النيابي مسرحاً لتصفية الحسابات السياسية والمصلحية والفئوية الضيقة التي ستؤدي في حال إستمرارها ليس فقط الى إسقاط الموازنة إنما الى إسقاط لبنان...