تخطي إلى المحتوى
تحليل

من " دعه يعمل... دعه يمر" الى "دعه يعمل... دعه يهر" نهاية إقتصاد لبنان

من " دعه يعمل... دعه يمر" الى "دعه  يعمل... دعه يهر" نهاية إقتصاد لبنان

سبع سنوات عجاف مرت على لبنان إعتقد الشعب اللبناني أن بنهايتها ستنتهي المأساة وستبدأ سنوات التعافي بدءاً من العام 2024. خلال السنوات المنقضية عانى اللبنانيون ما عانوه لناحية الأزمات المالية والإقتصادية المتتابعة والتي أفضت مع نهاية السنة السابعة الى حلول لبنان في آخر ترتيب الدول لناحية التردي المالي والإقتصادي ومن ناحية المستوى المعيشي الذي يقبع بظله اللبنانيون.

لطالما إستطاع لبنان خلال الخمسين عاماً السابقة تاريخ بدء الإضطرابات والمشاكل والحروب والإعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتدخل الإقليمي من تخطي المصاعب ومواجهة التحديات بنجاح بإعتبار أن النظام الإقتصادي اللبناني قد بني على قاعدة النظام الليبيرالي والإقتصادي الحر الذي يقوم على المبادرة الفردية وقدرة القطاع الخاص على التفاعل والتماهي مع دول العالم وتحديداً دول العالم العربي والأوروبي تطبيقاً لدور لبنان السوسيوجيولوجي بإعتباره صلة الشرق بالغرب.

هذا النظام الإقتصادي الحر بني على قاعدة مصطلح « دَعْه يعمل... دَعْه يمر» الذي نُشر لأول مرة فى خمسينيات القرن الثامن عشر، (تحديدًا عام 1751)، فى مقال بمجلة économique الفرنسية، على لسان وزير المالية الفرنسي، رينيه دى فوير، عندما دعا إلى إزالة القيود التنظيمية المفروضة على التجارة والصناعة فى فرنسا، وهو مبدأ اقتصادى ينص على أن اقتصاديات السوق تعمل بكفاءة مُثلى فى غياب التنظيم الحكومى وأي شكل للرقابة الحكومية وأى نوع من التشريعات أو الضرائب، وأن قوى العرض والطلب ستسمح لاقتصاد السوق بتنظيم نفسه، وستُعدل مستويات الأسعار والأجور والعمال نفسها تلقائيًا عن طريق ما سماه «اليد الخفية». فى عام 1776 نشر آدم سميث كتابه «ثروة الأمم»، الذى يُعتبر أول عمل كامل عن الاقتصاد السياسى، والذى تناول فيه قضية النزعة التجارية، وحاول من خلاله البرهنة على أن الفردية تؤدى إلى الانسجام الاجتماعى، وأن التجارة الحرة البعيدة عن القيود والرسوم التى تُفرض على الحرية الفردية فى التجارة سينتج عنها التقدم البشرى والاجتماعى، وطالب برفع يد الحكومة عن التجارة. وبحسب «سميث»، فالاقتصاد يعمل وفقًا لثلاثة قوانين طبيعية: الأول أن جميع الأشخاص يجب أن يتصرفوا وفقًا لمصلحتهم الذاتية، والثانى أن كل شخص هو أفضل مَن يعرف مصلحته الذاتية، أما الثالث فهو أن كل شخص يعمل وفقًا لمصلحته الذاتية، وأن دور الحكومة يجب أن يقتصر على أشياء مثل التعليم والحماية وتشييد الطرق وبناء نظام نقدي والإشراف على النظام القانونى العام.

في لبنان ومنذ عشر سنوات تقريباً بدأت السلطة السياسية تنقلب على النظام الإقتصادي الحر وبدأت تمعن في ضرب مقومات هذا النظام حيث بدأت السلطة تتدخل في كل جوانب الحياة الإقتصادية لا بل قامت من خلال شبكاتها الغير منظورة بالسيطرة على القطاع الخاص من خلال كارتيلات رجال الاعمال وأصحاب المصارف والحوكمة التعيسة مقابل إتخام القطاع العام وإدخاله في تفاصيل الحياة الإقتصادية من خلال إطلاق يد الموظفين في القطاع العام في خنق القطاع الخاص وتفتيته تحت شعار ضرورة تدخل الدولة بالمعنى الرقابي وبعنوان عدم القدرة على المحاسبة نتيجة النظام الطائفي المطبق في لبنان ( وهم بثته السلطات السياسية) وبالحقيقة ما هو نتيجة لزبائنية الأحزاب الطائفية المتسلطة خدمةً لمصالحها.

نجحت السلطات المتعاقبة في ضرب روحية المبادرة الفردية في القطاع الخاص جزئياً مقابل إفساد وخلخلة القطاع العام كلياً فوصل لبنان الى ما وصل إليه من تحلل وإنهيار وتدهور وفقدان للثقة فكان مصير اللبنانيين أنهم أذعنوا للمبدأ الإقتصادي التي تعمل على تحويله السلطات السياسية من " دعه يعمل... دعه يمر" الى " دعه يعمل... دعه يفر". هكذا هاجر أكثر من مليوني لبناني الى الخارج.

تحت عنوان معالجة نتائج الإنهيار أتحفتنا السلطة السياسية التنفيذية أي الحكومة بإنجاز كبير هو رفعها مشروع موازنة العام 2024 في الموعد الدستوري المحدد الى السلطة السياسية التشريعة أي مجلس النواب لدرسها وإقرارها والكل يعلم أن مجلس النواب عقيم الفعل عديم الفائدة وهو إستنساخ عن مسطرة القوى السياسية المسيطرة على الحياة السياسية في لبنان. تناسى الجميع وقبلوا وخاصة الشعب اللبناني الغارق في الزبائنية والتبعية للأحزاب الفاسدة أن مضمون مشروع الموازنة لناحية ما تحمله من رفع هائل للضرائب والرسوم والنفقات العامة بغياب أي رؤية إقتصادية ( بشكل مقصود) هو تدخل سافر في الحياة الإقتصادية اللبنانية وقضاء نهائي على ما تبقى من القطاع الخاص الذي يحاول العمل أو الإستمرار بحيث ستصل السلطة السياسية بشكلها المتسلط الحاكم الى النتيجة الإقتصادية المأمولة ألا وهي تحويل نظام لبنان الإقتصادي وبشكل نهائي من :

" دعه يعمل... دعه يمر " الى " دعه يعمل... دعه يفر" الى " دعه يعمل ...دعه يهر".

متى نجحت السلطة السياسية في الوصول الى النظام الإقتصادي الجديد " دعه يعمل... دعه يهر" يكون لبنان الكيان بحكم المنتهي وفعلاً قد هر.