تخطي إلى المحتوى
تحليل

بانتظار صدور القوانين الاصلاخية أموال المودعين بين مصرف لبنان والسلطة الحاكمة.

بانتظار صدور القوانين الاصلاخية  أموال المودعين بين مصرف لبنان والسلطة الحاكمة.

بعد المناقبية المهنية، وقانون الموجبات والعقود، وقانون النقد والتسليف، هناك أربعة تعاميم أساسية لمصرف لبنان تنظم العلاقة بين المصرف التجاري والمودع صاحب الحساب بالعملة الأجنبية لجهة السحوبات فقط. لكل تعميم ظروفه الخاصة والأسباب الموجبة لإصداره والتي كانت تأمين الحد الأدنى من السيولة لأصحاب هذه الودائع بإنتظار أن يصدر عن السلطة السياسية القوانين الإصلاحية - قانون الكابيتال كنترول، قانون إعادة هيكلة المصارف، قانون عودة الإنتظام المالي، ....

لم يتغير شيء في المشهد الإقتصادي غير الإستقرار الحذر في سعر الصرف والذي جاء نتيجة شبه الدولرة الشاملة في إيرادات ونفقات القطاع الخاص من أفراد ومؤسسات، وتوجه الحكومة في مشروع موازنة ال 2024 إلى إحتساب إيراداتها ونفقاتها على سعر صرف للدولار لا يختلف جداً عن سعر الصرف بالسوق الموازي. باتت دولرة القطاع العام ضرورية ليتمكن من العودة إلى الإنخراط بالدورة الإقتصادية. عانت مكونات القطاع العام في السنتين الماضيتين من الإستبعاد الإقتصادي بسبب إحتسابات إيراداتها بالليرة اللبنانية ونفقاتها حكماً تحتسب بالدولار الحي.

اليوم، كما في الأمس، والمستقبل رهن أداء السلطة السياسية، الممر الإلزامي لحصول المودع على ما تيسر من أمواله الخاصة الذي إئتمن المصرف عليها هو إحدى هذه التعاميم:

1- التعميم الأساسي 151 (الطفل اللقيطة) يستهدف الأرصدة بـ الدولار المحلي وهي الحسابات المثقلة بالمخاطر الإئتمانية وغيرها والسبب يعود إلى توظيف هذه السيولة من قبل المصرفيين في الديون السيادية وفي شهادات إيداع لدى مصرف لبنان. جزء من هذه التوظيفات تعثر بسبب توقف الدولة عن خدمة الدين العام، وتجميد مصرف لبنان تسديد توظيفات المصارف لديه، والجزء الآخر سُدِدَ على ال 1500ليرة. اليوم السحوبات تحت أحكام هذا التعميم هي على سعر الـ 15000 ليرة للدولار الواحد، وهو سعر أراده مصرف لبنان أن يكون سعر الصرف الرسمي؛ بعد أن كان 3900 و 8000 ليرة عند إصدار التعميم وسنتين تقريبا في ما بعد. وبعد أن تُرك للمصرف تحديد سقف السحوبات لكل مودع، حدد مصرف لبنان بعدها السقف ب 1600 دولار شهرياً للحساب الواحد شرط أن يكون صاحب الحساب لايستفيد من التعميم الأساسي 158 من المصرف ذاته، وكان هذا الإجراء محاولة للجم الضغوطات التضخمية التي قد تنتج من إرتفاع في حجم الكتلة النقدية المتداولة.

2 -. التعميم الأساسي 158 (طفل الأنبوب). أرصدة الحسابات التي تستوفي شروط التعميمان 151 و 158 هي أرصدة معنونة بالدولار المحلي، ولكن لجأ مصرف لبنان إلى تميز أرصدة الحسابات المكونة بالعملة الأجنبية قبل 31 تشرين أول 2019 بقسط من الدولارات الفريش يصل بحده الأقصى إلى 50 ألف دولار للعميل الواحد بموجب 400 أو 300 دولار شهرياً. في الواقع، ووفق تعاميم مصرف لبنان، كل الحسابات المعنونة بالعملة الأجنبية قبل تاريخ 9 نيسان 2020 هي حسابات بالدولار المحلي، ولكن مصرف لبنان إعتبر أن الحسابات التي تكونت بعد 2019/10/31 وقبل 2020/04/9 هي حسابات بمعظمها محولة من الليرة اللبنانية إلى الدولار على سعر ال1500 ليرة وهذه هي الحسابات التي صُنِفت في بعض المشاريع الإنقاذية ب "حسابات غير مؤهلة". يجب الإشارة إلى أنه تخضع ارصدة الحسابات بالدولار المحلي (الحسابات التي تشملها التعاميم 151 و 158) إلى إحتياطي إلزامي يساوي 14% من أرصدة هذه الحسابات تودع لدى مصرف لبنان (تسجل تحت بند الإحتياطي الإلزامي وهي سيولة داخلية بالعملة الأجنبية لا تحتسب سيولة لمصرف لبنان بل للمصارف وتصرف ضمن آلية معينة)، و3% من هذه الأرصدة سيولة خارجية نظيفة تودع لدى المصرف المراسل للمصرف التجاري اللبناني. واليوم يُسَجَلْ عجز على الجهتين – الإحتياطي الإلزلمي دون المطلوب في مخالفة فاضحة للقانون، والمصارف أخفقت في تأمين الـ 3% في مخالفة واضحة لتعاميم مصرف لبنان.

3 - التعميم الأساسي 150 (الطفل الملك) إبتدع مصرف لبنان ما يسمى بالحسابات بـ الدولار الفريش محررة من كل الإلتزامات، وممنوع على المصرف إعتبار أي جزء من أرصدة هذه الحسابات من ضمن سيولته الخاصة، وعلى المصرف تأمين مؤونة توازي 100% من أرصدة هذه الحسابات وإيداعها لدى المصرف المراسل. وأخيراً لايوجد ضوابط على السحوبات من هذه الحسابات.

4 -ومن رحم التعميم 150 ولد التعميم الأساسي رقم 165 (الأخ غير الشقيق) الذي بموجبه تستطيع المصارف فتح حسابات بالدولار وبالليرة "الفريش" وفي المقابل يقوم المصرف بتقديم خدمات مصرفية تشمل شيكات وبطاقات دفع وإئتمان وتحويل وتخضع هذه الحسابات إلى بعض الضوابط لجهة إيداع مبالغ لدى مقاصة الشيكات لدى مصرف لبنان،

وإيداعات أخرى لتغطية بطاقات الدفع. ومن المتوقع أن تخضع هذه الحسابات إلى قواعد إشتباك تختلف بجوهرها عن تلك التي تطبق على التعميم 150.

هذه الكيانات النقدية المستقلة التي إبتدعها مصرف لبنان منذ العام 2020 عندما كُلِف، وبشكل غير رسمي، في إدارة الأزمة كانت ضرورية؛ ولكن قد تتحول إلى نقمة في أي وقت بسبب غياب الرقابة وسوء الأداء والإمتثال من قبل المصارف! الضبابية تُخيم، وبشكل مقلق، في طريقة تعاطي المصارف مع هذه الكيانات النقدية. من الضروري تبويب الحسابات المعنونة بالعملة الأجنبية وفق هذه التعاميم في دفاتر المصرف، لأن لكل منها شروطه وقواعد إشتباك معينة مع المودع، وإدارة تداعياتها على الإستقرار تختلف بين حساب وآخر. ولكن هذه الضبابية، وبسبب غياب الرقابة، كانت مصدر إيرادات للمصرف من خلال العمولات، وفي بعض الحالات الفائض من العمولات حتى على الحسابات التي قصد مصرف لبنان في تعاميمه ذكر عدم تسجيل عمولات عليها.

يتجه مصرف لبنان اليوم إلى العودة إلى قانون النقد والتسليف في تأمين السحوبات من الحسابات بالدولار المحلي التي لا تستوفي شروط التعميم 158 (أي الحسابات التي تخضع لأحكام التعميم 151) لتكون على سعر الصرف الرسمي، وبذلك يكون تخلى نهائياً عن ما يسمى اليوم بالدولار المصرفي.

بعدها يلجأ المركزي إلى:

· إدارة السيولة

- الحد من الضغوطات التضخمية والحد من المضاربة وعودة الإضطرابات إلى سعر الصرف.

تنصل مصرف لبنان أخيراً من مسؤولية تحديد سعر الصرف الرسمي وأعادها إلى السلطة صاحبة الإختصاص، المجلس النيابي؛ حسناً فعل ذلك.

إذا قامت السلطة السياسية بمسؤوليتها وأقرت سعر الصرف الرسمي على ال 89500 ليرة، وهو سعر الصرف الأكثر حظاً اليوم؛ وتأمنت السحوبات على هذا السعر، ومع إصرار السلطة على عدم إقرار قانون الكابيتال كنترول، سوف تكون هناك تحديات عديدة في إدارة السيولة من قبل مصرف لبنان:

ü إما يلجأ إلى فرض سقوف جديدة على السحوبات النقدية، وتُحدد بالدولار المحلي. ومن المؤكد بأن هذا الإجراء لن يلقى ترحيباً من قبل أصحاب هذه الودائع.

ü أو يذهب بإتجاه تمكين المصارف من العودة إلى العمل بوسائل الدفع المتاحة من خلالها وتفعيل العمل بوسائل الدفع هذه للحد من إرتفاع حجم الأوراق النقدية بالتداول وما قد ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية.

غياب الرقابة وغياب المناقبية المهنية عند بعض المصرفيين قد يساهم في إنتاج مساحة واسعة ومريحة لعودة غير حميدة لتجارة الشيكات، وسوف يُحدث ذلك إضطرابات على المشهد النقدي قد تؤدي إلى نقل عدوى تأمين السحوبات من أرصدة الحسابات بالدولار المحلي بالليرة اللبنانية وعلى سعر الصرف الرسمي إلى الحسابات الأخرى التي تخضع لأحكام التعميم 150 وأيضاً 165 متحصنين المصارف بقانون النقد والتسليف.

خيارات مصرف لبنان لجهة إحداث أي تعديل بسعر صرف الدولار في تأمين السحوبات الإستثنائية تحت أحكام التعميم 151 جد محدودة بغض النظر عن "الكلام المعسّل" الذي نسمعه بين الحين والآخر. ثلاث عوامل أساسية ومترابطة تكبل أيدي السلطة النقدية: غياب الأصلاحات، شبح التضخم، وإضطرابات في سعر الصرف في السوق الموازي. وأسباب ذلك غياب تام لإرادة السلطة على إقرار وتنفيذ أي أصلاحات، والتاريخ خير شاهد على ذلك. الإصلاحات ضرورية اليوم للحفاظ على ما تبقى من ثقة بالاقتصاد والنقد الوطني. أهم هذه الإصلاحات هو موازنة متوازنة توفر الإيرادات اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين اليوم، وتستثمر بالمشاريع الإنمائية من أجل مستقبل أفضل. هذا التوازن بين الإيرادات والنفقات في الموازنة هو الممر الإلزامي إلى الإستقرار بكل جوانبه. وليس بصدفة عودة الكلام عن سعر صرف السحوبات الإستثنائية في الوقت التي تنصب كل الجهود على مناقشة وإقرار الموازنة. في ظل غياب الإصلاحات، شبح التضخم يبقى يخيم فوق لبنان مع إحتمال الإنفجار المؤذي بأي لحظة. ولهذا السبب يحرص مصرف لبنان على الحد من الإنفلاش والإنفلات بالكتلة النقدية بالليرة اللبنانية. والأخ الغير شقيق للتضخم هو سعر الصرف في السوق الموازي. يتأثر سعر الصرف بعاملين أساسيين في المشهد الداخلي: الثقة والتضخم وهاتان العاملان لهم تأثير مباشر على العرض والطلب. ما نشهده اليوم هو إستقرار حذر قابل "للتغير" بأي لحظة في سوق القطع الأجنبي. وبسبب تفشي الدولرة في محاولة للصمود والتأقلم مع المتغيرات الإقتصادية، أصبح "للتغير" تعريف مختلف بشكل أن

إنخفاض في سعر صرف الدولار اليوم، مثلاً إلى 60000 ليرة للدولار الواحد، يتسبب بأذى أكثر من إرتفاعه، والأذى يقع على مكونات القطاع الخاص الذي عليه الإعتماد دائماً لتمكين القطاع العام من الإستمرار. القطاع الخاص هو من يدفع الضرائب والرسوم، وهو من يكتتب بسندات الخزينة ويوفر حاجة الحكومة للسيولة لسد العجز. وإذا لجأت الحكومة إلى مصرف لبنان لتمويلها، فيلجأ الأخير إلى القطاع الخاص لتأمين السيولة المطلوبة. كل ذلك يعني أنه على الدولة المحافظة على سلامة القطاع الخاص كشرط أساس للحفاظ على سلامتها.

غياب الإصلاحات، وعمداً يحصل، هو العامل الأساسي وراء إستحالة إرساء توازن بين القطاع الخاص والعام، إستقرار الوضع في القطاع الخاص يأتي على حساب القطاع العام، أو العكس. هذا الوضع غير صحي وغير صحيح وغير قابل للإستمرار. هذه هي بعض الأسباب الإقتصادية وراء عجز مصرف لبنان عن إرضاء أصحاب الودائع بالدولار المحلي.