قد تكون موازنة 2024 خالية كلياً من الإيجابيات إذا ما استثنينا إقرارها ضمن المهل الدستورية، لما في ذلك من أهمية على مستوى الإنتظام المالي في عملية الإنفاق، بدلاً من إعتماد القاعدة الإثني عشرية الغير مضبوطة والملتبسة قانوناً. فموازنة 2024 أقرت بطريقة فولكلورية في جلسة لمجلس النواب أشبه بمسرحية كوميدية أقرت فيها الموازنة بتعديلاتها التي أجرتها لجنة المال والموازنة وبكل ثغراتها وعيوبها وانفصالها كلّياً عن المواد الإصلاحية، على كافة المستويات الادارية والاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك الإصلاح الضريبي الذي لم ينل حيّزاً في موازنة 2024.
قد تكون العلامة الإيجابية الوحيدة ولكن الغير موثوقة نتيجة التجارب السابقة تميزت بها أيضاً موازنة 2024، ورود مادة في متنها تقضي بحظر إعطاء سلفات خزينة خلافاً لأحكام قانون المحاسبة العمومية التي ترعى إعطاءها، وتحميل المخالف تسديد السلفات بأمواله الخاصة وإحالته على القضاء المختص ( وهم وديماغوجية).
فوسط إجماع على كونها بلا رؤية اقتصادية واجتماعية باستثناء رأي للنائب علي حسن خليل الذي صحح لرئيس مجلس النواب بأن الموازنة غير مشروطة بأن تحمل رؤية ولا مشروع بل هي أرقام تعكس سياسات الحكومة فحصل ما حصل عملياً، وأقر مجلس النواب موازنة ليست فيه إصلاحات، ولا رؤية اقتصادية بل مجرّد إجراءات محاسبية ضمن نمط وإطار أقرّتهما الحكومات السابقة. تأتي هذه الموازنة بعد سنوات من إعداد ومناقشة وإقرار موازنات خارج مواعيدها الدستورية، إلا أن مضمونها بقي مبنياً على النمط نفسه من بيع الأوهام والادّعاء بأنها موازنة للتعافي بلا عجز وبأنها تستكمل توحيد سعر الصرف دون أن ننسى أنها موازنة للحفاظ على القطاع العام بحلته المنتفخة وأداءه الغائب والمغيب .
أبرز المخالفات الدستورية التي إتسمت بها موازنة 2024 هو عدم ورود قطع الحساب للعام السابق وأيضاً لكل الأعوام التي سبقت، بذلك تبقى عمليات الإنفاق غير شفافة وغير موثقة. بشكل عام الدولة تفتقد لأرقام مدققة ونهائية عن إيرادات ونفقات موازنات 2021 و2022 و2023. كما أن وزارة المال لا تملك الأرقام، لأنها توقفت عن إدخالها على النظام المالي للوزارة منذ عام 2019. فحسب ما ذكر رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان في كلمته امام مجلس النواب في معرض شرحه للتعديلات التي أجرتها لجنته على الموازنة "أن دولة بدون حسابات هي دولة بدون ذمة ودولة بدون ذمة هي دولة بدون شرف ".
أما موازنة 2024، فلا تتمتع بمبدأ الشمول والشيوع. فلا القروض أدخلت فيها ولا نفقات الهيئات والمؤسسات والمجالس التي تعمل لصالح الدولة ولم تلحظ بند للدين العام ولا خدمته وكثير من المتوجبات المالية على الدولة اللبنانية والتي يبدو أنها أخفيت عمداً. مفارقة أخرى تتعلق بكيفية تحول مشروع موازنة 2024 من مشروع عاجز بقيمة 17 ألف مليار ليرة إلى مشروع يضم إيرادات بقيمة 320 ألف مليار ليرة ونفقات 295 ألف مليار ليرة بفعل تعديلات لجهة الإيرادات والنفقات.
أما بالنسبة للإيرادات فما زالت المساهمة الضريبية تقع بشكل غير متناسب على دافعي الضرائب أنفسهم أي الشرائح الأكثر فقراً والأكثر إلتزاماً بالقانون، في حين يتم إعفاء المتهربين والمهربين والغير مسجلين رسمياً على اللوائح الضريبية. تأتي غالبية إيرادات الموازنة من ضرائب الاستهلاك، والرسوم الجمركية، وضريبة القيمة المضافة، التي يتم تحصيلها في الغالب عند نقاط الدخول الجمركية (50% من الإجمالي)، فضلاً عن الرسوم المحصلة من مختلف الإجراءات الشكلية أو الخدمات المقدمة التي يكون المستخدمون أسرى لها. بشكل مختصر ومفيد بعد أن أفرغت السلطة حسابات المودعين الخاصة ذهبت اليوم لإفراغ جيوبهم وخزائنهم.
بإختصار موازنة 2024 لزوم ما لا يلزم وهي موازنة للحفاظ على النهج المدمر الذي تتبعته السلطة السياسية منذ خمسة عشر سنة للحفاظ على إستمراريتها، فالى متى سيستمر هذا النهج التدميري القاتل؟