خاص – مجلة 24
في قلب نيويورك، العاصمة المالية للعالم، حمل فوز زهران ممداني بمنصب العمدة صدمةً غير مسبوقة في أوساط المال والأعمال. فالرجل الذي بنى شعبيته على انتقاد الرأسمالية ووعد بتجميد الإيجارات وفرض ضرائب إضافية على الأثرياء، يجد نفسه الآن على رأس مدينة يعيش اقتصادها على نبض وول ستريت. منذ إعلان النتائج، كان المزاج العام في المصارف وشركات الاستثمار مزيجًا من القلق والترقب. فالمؤسسات التي طالما تعاملت مع إدارات داعمة لبيئة الأعمال، تواجه اليوم عمدة يتحدث بلغة شعبية تضعها في موقع الخصم، لا الشريك.
تخشى النخب المالية من أن يؤدي هذا التحول السياسي إلى هروب رؤوس الأموال من المدينة. إذ إن نيويورك تواجه أصلًا تراجعًا في جاذبيتها الاستثمارية، مع انتقال آلاف من الأثرياء والشركات إلى ولايات مثل فلوريدا وتكساس بحثًا عن ضرائب أقل وتكاليف تشغيل أخف. وجاء ممداني ليضاعف هذه المخاوف بخطابٍ يَعِد بإعادة توزيع الثروة، وكأنه يريد إعادة هندسة الاقتصاد المحلي على حساب الكفاءة والمنافسة. في المقابل، يرى مراقبون أن الرأسمال لا يحتمل الخطابات الأيديولوجية، وأنه يتحرك بسرعة نحو البيئات الأكثر استقرارًا، ما قد يضع مالية المدينة تحت ضغطٍ هائل في السنوات المقبلة.
الضرائب تشكّل نقطة الانفجار الأولى. فحين يعلن العمدة المنتخب نيّته رفع الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة لتمويل برامجه الاجتماعية، ينسى أن هؤلاء تحديدًا يمثّلون الشريحة التي تموّل نحو نصف إيرادات المدينة. أي نزوح جزئي من هذه الفئة قد يُحدث فجوة مالية يصعب سدّها، خصوصًا في ظل أزمة السكن الحادة وارتفاع كلفة المعيشة. المستثمر بيل آكمان لم يُخفِ قلقه حين قال إن رفع الضرائب في مدينة تعاني أصلًا من ضعف البنية السكنية سيجعلها بيئة طاردة لأصحاب الثروات، محذرًا من أن رؤوس الأموال “لن تنتظر لترى ما سيحدث”.
وفي الوقت ذاته، يبدو أن سياسة تجميد الإيجارات التي يروّج لها ممداني ستفتح جبهة جديدة مع قطاع العقارات، العمود الفقري لاقتصاد نيويورك. فهذه السياسة، وإن كانت شعبية في ظاهرها، تهدد بتقليص أرباح المطورين وتجميد الاستثمارات السكنية الجديدة. ومع ارتفاع تكاليف الإنشاء وأسعار الفائدة، يخشى المستثمرون أن يتحول السوق العقاري إلى بيئة راكدة، حيث يختفي الحافز لبناء مشاريع جديدة ويزداد الضغط على المخزون السكني المتاح. بعض المطورين بدأ بالفعل بتأجيل مشاريعه في انتظار “وضوح الرؤية”، في إشارة إلى أن الثقة تهتزّ قبل أن تبدأ ولاية ممداني فعليًا.
كما يثير نهج ممداني في قضايا الأمن العام قلقًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، إذ يُعد من أبرز الداعمين لحركة “خفض تمويل الشرطة” خلال فترة عمله في الجمعية التشريعية للولاية. دعا مرارًا إلى تحويل ميزانيات الأمن نحو برامج اجتماعية وخدمات الصحة النفسية، وهو توجّه يُنظر إليه في وول ستريت كتهديد مباشر لصورة نيويورك كمدينة آمنة وجاذبة للاستثمار. ويرى مصرفيون أن أي تراجع في حضور الشرطة أو في سرعة الاستجابة الأمنية قد ينعكس فورًا على ثقة المستثمرين ويزيد من المخاطر على مقار الشركات وموظفيها، خصوصًا في المناطق المالية الحساسة. وقد بدأ بعض التنفيذيين في المؤسسات المالية بالفعل دراسة التوسع في التعاقد مع شركات الأمن الخاصة لتعويض أي نقص محتمل في الحماية العامة، بينما حذّر خبراء أمنيون من أن تراجع الأمن سيقود إلى هجرة متزايدة لرؤوس الأموال نحو ولايات أكثر استقرارًا مثل فلوريدا وتكساس. بالنسبة لوول ستريت، المسألة لا تتعلق بالأيديولوجيا بل بالثقة والاستقرار، إذ إن أي خلل في الأمن العام قد يضاعف من التحديات التي تواجهها المدينة تحت قيادة ممداني، ويحوّل تجربته السياسية إلى مقامرة قد تُكلّف نيويورك مكانتها كعاصمة مالية عالمية.
لكن ما يثير القلق أكثر من السياسات هو الخطاب نفسه. فالرجل الذي وعد في أحد خطاباته باعتقال قادة دول بحجة “العدالة الدولية” يعطي انطباعًا بأنه أقرب إلى الناشط منه إلى رجل الدولة. هذه اللغة الأيديولوجية تُقلق المستثمرين لأنها تزرع الشك حول مدى التزامه بالقواعد الفيدرالية والبيئة القانونية التي تحكم الاقتصاد الأمريكي. فالأسواق تخشى الغموض أكثر مما تخشى الضرائب، وعندما تصبح السياسة غير متوقعة، تبدأ الثقة بالتآكل من الأعلى إلى الأسفل.
ورغم محاولات فريق ممداني إرسال رسائل طمأنة إلى مجتمع المال من خلال عقد اجتماعات مع رؤساء البنوك وتشكيل مجلس استشاري اقتصادي، إلا أن هذه المبادرات لا تكفي لتبديد المخاوف. فالعمدة الذي فاز بخطاب اشتراكي سيواجه صعوبة في التراجع عن وعوده دون خسارة قاعدته الشعبية، ما يعني أن احتمالات المواجهة مع وول ستريت تبقى قائمة. ومع أن صلاحياته محدودة في ما يخص السياسات الضريبية الفيدرالية، إلا أن تأثيره الرمزي والاقتصادي كبير بما يكفي لتغيير مزاج المستثمرين ونظرتهم إلى مستقبل المدينة التي لا تنام .
في نهاية المطاف، تبدو نيويورك على مفترق طريق حقيقي. فإما أن يختار ممداني التراجع نحو الواقعية السياسية والتعاون مع مجتمع الأعمال للحفاظ على توازن المدينة المالي، أو أن يسير في طريق المواجهة، فيخسر دعم وول ستريت ويضع مستقبل نيويورك الاقتصادي على المحك. فالرأسمالية التي بنت مجد المدينة لا يمكن ترويضها بخطاب المساواة وحده، ولا يمكن إدارة اقتصاد عالمي بلغة الشعارات. وول ستريت تراقب عن كثب، والرسالة واضحة: إن فقدت نيويورك ثقة المال، فلن يبقى من لقب “العاصمة الاقتصادية للعالم” سوى الذكرى.