في كل مرة تشتعل فيها منطقة الشرق الأوسط عسكرياً، يتجاوز أثر الحرب حدود الجغرافيا والسياسة ليصل سريعاً إلى قلب الاقتصاد العالمي. السبب بسيط وواضح: هذه المنطقة لا تزال تمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. عندما تهتز المنطقة، تهتز معها أسواق النفط والغاز، وترتفع معها المخاطر الجيوسياسية التي تعيد تشكيل سلوك المستثمرين والبنوك المركزية وأسواق المال.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العالم سيتأثر، بل من سيتأثر أكثر، ومن يمتلك المصلحة الحقيقية في إنهاء هذا الصراع.
جغرافيا الطاقة: لماذا يهتز الاقتصاد العالمي؟
يمر جزء كبير من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. مجرد التهديد بإغلاق هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه يكفي لرفع أسعار النفط والغاز بشكل حاد، حتى قبل أن يحدث أي انقطاع فعلي في الإمدادات.
أسواق الطاقة لا تتفاعل فقط مع الوقائع، بل مع التوقعات والمخاطر المحتملة. عندما ترتفع احتمالات التصعيد العسكري، ترتفع معها ما يسمى "علاوة المخاطر الجيوسياسية" في أسعار النفط. وهذا ما يفسر القفزات السريعة في الأسعار كلما تصاعد التوتر في المنطقة.
لكن تأثير هذه الصدمة لا يتوزع بالتساوي بين الاقتصادات الكبرى.
آسيا: الحلقة الأكثر هشاشة
الاقتصادات الآسيوية، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، هي الأكثر حساسية لأي اضطراب في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. هذه الاقتصادات الصناعية تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز، وجزء كبير من هذه الواردات يأتي مباشرة من الخليج.
بالنسبة للصين، التي تعد اليوم أكبر مستورد للطاقة في العالم، فإن أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات قد ينعكس فوراً على نشاطها الصناعي وعلى معدلات النمو. أما اليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تفتقران إلى الموارد الطبيعية، فتعتمد اقتصادهما بالكامل تقريباً على استقرار خطوط الطاقة البحرية.
لذلك ليس مفاجئاً أن تكون آسيا من أكثر الأطراف حرصاً على استقرار الملاحة في الخليج وعلى تجنب أي تصعيد قد يعطل التجارة النفطية.
أوروبا: بين صدمة أوكرانيا وقلق الشرق الأوسط
أوروبا تعيش أصلاً منذ حرب أوكرانيا تحت ضغط إعادة تشكيل نظامها الطاقوي بعد تقلص الاعتماد على الغاز الروسي. وقد اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك استيراد الغاز الطبيعي المسال من دول الخليج.
أي ارتفاع كبير في أسعار النفط أو الغاز يعيد فتح جرح التضخم في أوروبا، ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة.
لذلك فإن أوروبا، مثل آسيا، تمتلك مصلحة اقتصادية مباشرة في احتواء التصعيد في الشرق الأوسط، لأن أي صدمة طاقة جديدة قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي واسع.
الولايات المتحدة: أقل اعتماداً وأكثر تأثراً مالياً
الوضع مختلف نسبياً في الولايات المتحدة. بفضل ثورة النفط الصخري أصبحت الولايات المتحدة أقرب إلى الاكتفاء الذاتي في الطاقة، ما يقلل من حساسيتها المباشرة لاضطرابات الشرق الأوسط.
لكن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن التأثير. فارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على التضخم وعلى أسعار الوقود، وهو ما يؤثر على السياسة النقدية وعلى المزاج الاقتصادي الداخلي.
كما أن الولايات المتحدة تبقى لاعباً مركزياً في النظام المالي العالمي، ما يعني أن أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة ينعكس على أسواق الأسهم والسندات والدولار.
الذهب يعود إلى الواجهة
في مثل هذه اللحظات من عدم اليقين، يعود الذهب دائماً إلى الواجهة. تاريخياً، يُنظر إلى الذهب على أنه ملاذ آمن في أوقات الأزمات الجيوسياسية والمالية.
عندما ترتفع احتمالات الحرب أو تتصاعد المخاطر النظامية في الاقتصاد العالمي، يتجه المستثمرون إلى الأصول التي لا ترتبط بمخاطر سيادية أو مصرفية، وعلى رأسها الذهب.
ارتفاع الذهب في هذه الفترات ليس مجرد حركة مضاربية، بل يعكس تحولاً في سلوك المستثمرين نحو التحوط ضد المخاطر العالمية.
صدمة الطاقة والتضخم العالمي
ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى محصوراً في قطاع النفط والغاز. بل ينتقل سريعاً إلى الاقتصاد العالمي عبر عدة قنوات:
1. ترتفع كلفة النقل والإنتاج، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات.
2. ترتفع معدلات التضخم، ما يدفع البنوك المركزية إلى التردد في خفض أسعار الفائدة.
3. تتعرض الدول المستوردة للطاقة لضغوط على ميزان المدفوعات وعلى العملات المحلية.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: الدول النامية هي الأكثر تضرراً من صدمات الطاقة، لأنها غالباً ما تعاني أصلاً من ديون مرتفعة ومن ضعف في احتياطيات العملات الأجنبية.
لبنان: اقتصاد على خط الزلازل الجيوسياسية
بالنسبة للبنان، فإن التوترات الإقليمية تأتي فوق أزمة اقتصادية ومالية عميقة لم تُحل بعد. الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار النفط يزيد من الضغوط على الاقتصاد وعلى كلفة المعيشة.
لكن التحدي الأكبر ليس اقتصادياً فقط، بل سيادي أيضاً. في عالم المال والاستثمار، المخاطر الجيوسياسية تُترجم مباشرة إلى ارتفاع في ما يسمى علاوة المخاطر السيادية. كلما ارتفعت هذه العلاوة، ارتفعت كلفة التمويل، وانخفض الاستثمار، وازداد هروب رأس المال. لبنان اليوم يقف في موقع بالغ الحساسية: اقتصاد ضعيف، نظام مالي لم يُعاد هيكلته بعد، وبيئة إقليمية متفجرة. في مثل هذه الظروف يصبح الاستقرار السياسي والأمني شرطاً أساسياً لأي مسار تعافٍ اقتصادي.
بين الحرب والاقتصاد.
التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الحروب في مناطق الطاقة لا تبقى محلية لفترة طويلة. سرعان ما تتحول إلى صدمات عالمية في الأسعار وفي الأسواق المالية وفي السياسات النقدية. لكن في النهاية، لا يمكن لأي اقتصاد أن يزدهر على حافة الحرب. الاستقرار ليس مجرد شرط سياسي، بل هو شرط اقتصادي أساسي لعودة الاستثمار والنمو.
بالنسبة للعالم، فإن احتواء الصراع في الشرق الأوسط مسألة استقرار اقتصادي عالمي. أما بالنسبة للبنان، فهي مسألة وجود اقتصادي قبل أن تكون مسألة سياسية.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ينجح العالم في احتواء التصعيد قبل أن تتحول صدمة الطاقة إلى أزمة اقتصادية عالمية جديدة؟ أم أننا على أعتاب مرحلة جديدة من عدم اليقين المالي والجيوسياسي؟
الجواب سيتحدد في الأسابيع والأشهر القادمة، لكن المؤكد أن الاقتصاد العالمي يراقب الشرق الأوسط اليوم بقلق لا يقل عن قلق أسواق الطاقة نفسها.