يشهد زوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأميركي بعض المكاسب المتواضعة بعد سلسلة من الخسائر التي استمرت ثلاثة أيام، حيث ارتفع إلى حوالي 1.3130 خلال الساعات المبكرة اليوم الاثنين. ومع ذلك، يبدو أن هذه المكاسب محدودة في ظل العوامل المتغيرة المحيطة بالسياسات النقدية لكل من بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا. فبينما أظهرت بيانات التوظيف غير الزراعية الأميركية الصادرة يوم الجمعة أداءً أفضل من المتوقع، مما أدى إلى تعزيز الدولار الأميركي، يعكس الموقف المتساهل لبنك إنجلترا ضعفًا قد يؤثر سلبًا على الجنيه الإسترليني.
ومن وجهة نظري، أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على حركة زوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأميركي هو قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في ايلول سبتمبر، وهو ما قد يدعم الاقتصاد الأمريكي ويقلل من احتمالات خفض أكبر في المستقبل.
كماأن بيانات التوظيف غير الزراعية القوية التي صدرت مؤخرًا، والتي أظهرت إضافة الاقتصاد الأميركي لـ 254 ألف وظيفة في ايلول سبتمبر، مقارنة بـ 159 ألفًا في الشهر السابق، تضعف من توقعات خفض أكبر في الفائدة. وارتفاع الأجور السنوية إلى 4.0٪ وتراجع معدل البطالة إلى 4.1٪ يعزز من قوة سوق العمل، مما يشير برأيي إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد يتبنى نهجًا أكثر تحفظًا في خفض أسعار الفائدة، ما يحد من خسائر الدولار أمام العملات الأخرى.
لكن مع ذلك، أرى أن المكاسب الطفيفة التي يحققها الجنيه الإسترليني/الدولار الأميركي قد تتقلص إذا ما استمر بنك إنجلترا في تبني سياسات نقدية متساهلة. ففي الأسبوع الماضي، أشار محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي إلى أن البنك المركزي قد يكون "أكثر تساهلاً" في خفض أسعار الفائدة إذا استمر التضخم في التراجع كما هو متوقع. هذه الإشارة تعزز من احتمالات تقويض الجنيه الإسترليني في حال تم خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع أو أكبر من
على الجانب الآخر، أبدى كبير خبراء الاقتصاد في بنك إنجلترا، هيو بيل، تحفظًا أكبر حينما صرح بأن البنك المركزي يجب أن يتخذ خطوات تدريجية في خفض أسعار الفائدة، وهو ما يخلق نوعًا من الانقسام في السوق المالية حول اتجاه السياسة النقدية في الأشهر القادمة.مما يستدعي الحذر.
وحالياً الأسواق المالية منقسمة حول ما إذا كان بنك إنجلترا سيقوم بخفض أسعار الفائدة مرة أخرى في كانون الاول ديسمبر بعد خفض محتمل في تشرين الثاني نوفمبر، حيث أن خفض الفائدة في اجتماعات متتالية لم يحدث منذ عام 2020. وهذا الانقسام من وجهة نظري يعكس حالة من عدم اليقين التي تحيط بمسار الاقتصاد البريطاني، خاصة في ظل الضغوط التضخمية المستمرة التي تشكل تحديًا لبنك إنجلترا.
ومن جانب آخر، فإن الأسواق بدأت تسعر خفضًا محدودًا لأسعار الفائدة الفيدرالية في ايلول سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس، بفرصة تقارب 97.4٪، بعد أن كانت هذه التوقعات قبل صدور بيانات التوظيف تبلغ 31.1٪ فقط. هذه التغيرات في توقعات السياسات النقدية الأمريكية قد تؤدي إلى توازن في القوة النسبية بين الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني على المدى القصير.
ومن الواضح أن قوة الدولار الأميركي تستمد زخمها الحالي من البيانات الاقتصادية المتفائلة، والتي تشير إلى مرونة الاقتصاد الأميركي في مواجهة التحديات. في المقابل، يبدو أن الجنيه الإسترليني في موقف أكثر ضعفًا بسبب الموقف المتساهل لبنك إنجلترا.
وبالتالي، قد يبقى ارتفاع زوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأميركي محدودًا في المستقبل القريب ما لم تتغير الديناميكيات الاقتصادية بشكل كبير. فالاستثمار في الزوج يعتمد بشكل أساسي على توقعات المستثمرين حيال السياسات النقدية في كلا البلدين، بالإضافة إلى قدرة الاقتصاد البريطاني على مواجهة الضغوط التضخمية وتحقيق نمو مستدام.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن التوتر بين مساري السياسة النقدية في الولايات المتحدة وبريطانيا سيبقى العامل الحاسم في تحديد اتجاهات السوق برأيي. فإذا استمر بنك إنجلترا في خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد نشهد ضغوطًا إضافية على الجنيه الإسترليني، مما يجعله أكثر عرضة للتراجع أمام الدولار الأميركي. وعلى الجانب الآخر، إذا فاجأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأسواق برفع أسعار الفائدة أو تبني نهج أكثر تشددًا في اجتماعاته القادمة، فإن الدولار الأميركي قد يكتسب المزيد من القوة، مما يضعف المكاسب التي حققها الجنيه الإسترليني مؤخرًا.
وفي الختام، يبدو لي أن زوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأميركي يسير على حافة توازن دقيق، حيث تتباين الرتوقعات الأساسية على السياسات النقدية بين البنوك المركزية الكبرى. فبيانات التوظيف الأميركية القوية تدعم الدولار، في حين يواجه الجنيه الإسترليني خطر التراجع إذا ما تبنى بنك إنجلترا موقفًا متساهلًا أكثر مما هو متوقع.