فلوريدا – مجلة 24
في تصعيد كبير للتوترات التجارية العالمية، فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية جديدة على الواردات من المكسيك وكندا والصين.
هذه الخطوة التي اتخذها الرئيس الاميركي دونالد ترامب مع بداية ولايته الرئاسية والتي تتضمن فرض رسوم بنسبة 10% على الواردات الصينية ورسوم بنسبة 25% على السلع من كندا والمكسيك، تمثل تحولًا كبيرًا في العلاقات التجارية الدولية وتثير قلقًا واسع النطاق بين خبراء الاقتصاد وصناع السياسات في جميع أنحاء العالم.
التعريفات الجمركية التي اقرت تستهدف مجموعة من السلع بما في ذلك الصلب والألمنيوم ومنتجات استهلاكية مختلفة، ما سيسفر عن عواقب بعيدة المدى على سلاسل التوريد العالمية والنمو الاقتصادي لكل دولة وكذلك العلاقات الدبلوماسية بين الدول.
ويأتي قرار فرض التعريفات الجمركية وسط نزاعات مستمرة حول اختلال التوازن التجاري وحقوق الملكية الفكرية ومخاوف الأمن القومي.
وفيما تؤكد الإدارة الأميركية الجديدة ان هذه التدابير ضرورية لحماية الصناعات المحلية وكذلك حماية العمال من ممارسات التجارة غير العادلة، يحذر المراقبون من أن التعريفات الجمركية قد تؤدي إلى حرب تجارية شاملة، مع الإعلان بالفعل عن تدابير انتقامية من البلدان المتضررة.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد اكد خلال مؤتمر صحفي ان الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي بينما تستغل دول أخرى الاقتصاد الأميركي. مشيراً الى ان هذه التعريفات ضرورية لحماية الصناعات الاميركية وإعادة الوظائف إلى أميركا متهماً الصين بإغراق السوق بالسلع الرخيصة، والمساهمة في وباء المواد الأفيونية ، وتقويض الصناعات الأميركية من خلال ممارسات تجارية غير عادلة.
وجاءت الرسوم الجمركية المفروضة على الصين لتمثل استمرارًا للتوترات التجارية التي ميزت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة. تستهدف التدابير الجديدة مجموعة واسعة من الصادرات الصينية، بما في ذلك الإلكترونيات والآلات والمنسوجات. وقد أعلنت الصين بالفعل عن خطط للرد برسوم جمركية على المنتجات الزراعية الأميركية، والتي قد يكون لها آثار كبيرة على المزارعين الأميركيين والاقتصادات الريفية.
وجاء رد الصين على التعريفات الجمركية معتدلاً بتعهد المسؤولين الصينيين بتقديم شكوى إلى منظمة التجارة العالمية وتنفيذ "تدابير مضادة مقابلة". فيما لا تزال طبيعة هذه التدابير المضادة غير واضحة المعالم . وسائل الإعلام الرسمية الصينية قللت من أهمية التأثير الفوري للتعريفات الجمركية، وأكدت بدلاً من ذلك على مرونة الصين واستعدادها.
ويعتقد المحللون أن رد بكين المعتدل هو جزء من استراتيجية أوسع لتجنب المزيد من التصعيد مع استكشاف الخيارات الدبلوماسية.
وتعرضت كندا والمكسيك، اللتان كانتا معفيتين سابقًا من مثل هذه التعريفات بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا USMCA، لرسوم جمركية جديدة من المتوقع أن تؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد في الصناعات الرئيسية مثل تصنيع السيارات والزراعة والطاقة. وتعهدت كلا الدولتين بالرد برسوم جمركية خاصة بهما على السلع الأميركية، مما أثار شبح صراع تجاري مطول من شأنه أن يقوض فوائد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وفيما أدان رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو هذه الرسوم الجمركية ووصفها بأنها "غير مبررة ومدمرة "
قالت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم إن الرسوم الجمركية الأميركية ستبقى معلقة لمدة شهر بعد محادثتها مع الرئيس ترامب وتعهد المكسيك بإرسال 10 آلاف جندي إلى الحدود لمحاربة تهريب المخدرات. وقال ترامب عبر تدوينة على موقع تروث سوشل انه أجرى محادثة "ودية للغاية" مع شينباوم وأن "الجنود المرسلين من المكسيك سيتم تعيينهم خصيصًا لوقف تدفق الفنتانيل والمهاجرين غير الشرعيين إلى بلادنا". واعتبر في تدوينة اخرى "إن كندا لا تسمح حتى للبنوك الأميركية بفتح فروع لها أو ممارسة الأعمال التجارية .هناك العديد من الأمور من هذا القبيل" وقال انه يخوض حرباً ضد المخدرات، بعد ان مات مئات الآلاف من الناس في الولايات المتحدة بسبب المخدرات التي تتدفق عبر الحدود بين المكسيك وكندا.
الاجراءات والاسواق المالية
الا ان إجراءات ترامب السابقة أرخت بظلالها سريعاً على الأسواق المالية وهبطت الأسهم الآسيوية بشكل لافت ، حيث انخفض مؤشر نيكي 225 الياباني بنسبة 2.6٪ وانخفض مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 2.5٪. وبلغ الدولار الكندي أدنى مستوى له في 20 عامًا، في حين تعزز الدولار الأميركي مقابل اليوان الصيني.
كما أثارت التعريفات الجمركية مخاوف كبيرة بشأن الاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، وخاصة في قطاعي التكنولوجيا والسيارات. وبدت الشركات الكبرى والتي تعتمد على التجارة الدولية بالاستعداد لتكاليف أعلى وتأخيرات محتملة.
التداعيات
بحسب خبراء الاقتصاد الاميركيين من المرجح أن يخلف فرض التعريفات الجمركية على ثلاثة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة تأثيرًا متسلسلًا عبر الاقتصاد العالمي. فقد تؤدي زيادة تكاليف السلع المستوردة إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين، في حين قد تؤدي الاضطرابات في سلاسل التوريد إلى إبطاء النمو الاقتصادي. كما قد يؤدي عدم اليقين الناجم عن الحرب التجارية إلى إضعاف الاستثمار التجاري وثقة المستهلك، مما يؤدي إلى تفاقم التحديات الاقتصادية.
إلى جانب التأثير الاقتصادي، من المرجح أن تؤدي التعريفات الجمركية الجديدة إلى إجهاد العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين .
كيف يرى الخبراء هذه الإجراءات ؟
التعريفات الجمركية شكلت موضع نقاش، بين مؤيد ومعارض لها في الداخل الاميركي ، حيث يزعم المؤيدون أنها تحمي الصناعات المحلية والأمن القومي، بينما يحذر المنتقدون من إمكانية ارتفاع التكاليف والاضطراب الاقتصادي.
ويعتبر عدد من المحللين الاقتصاديين الاميركيين المقربين من الحزب الجمهوري ان التعريفات الجمركية من قبل الولايات المتحدة من المتوقع ان تحقق مكاسب اقتصادية واستراتيجية للاميركيين ومنها حماية الصناعات المحلية وتأمين وظائف جديدة ونمو وازدهار الصناعة المحلية وحماية الصناعات التي تعتبر بالغة الأهمية للأمن القومي، مثل إنتاج الصلب والألمنيوم. إذ ان ضمان إمداد محلي مستقر من هذه المواد يمكن أن يكون أمراً بالغ الأهمية في أوقات التوترات الجيوسياسية.
كما يؤدي الى تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب، اذ يمكن للولايات المتحدة التخفيف من المخاطر المرتبطة بانقطاعات سلسلة التوريد الناجمة عن النزاعات الدولية أو عدم الاستقرار.
ويؤكد المراقبون ان إجراءات ترامب ستؤدي إلى خفض العجز التجاري ، وهو أمر ضروري لصحة الاقتصاد على المدى الطويل.
كما تولد التعريفات الجمركية إيرادات للحكومة الفيدرالية، والتي يمكن استخدامها لتمويل الخدمات العامة المختلفة ومشاريع البنية التحتية.
كما يمكن استخدام التعريفات الجمركية كأداة للضغط على الشركاء التجاريين للتفاوض على شروط تجارية أكثر ملاءمة. فمن خلال فرض التعريفات الجمركية، تستطيع الولايات المتحدة إجبار الدول الأخرى على معالجة قضايا مثل سرقة الملكية الفكرية، والوصول إلى الأسواق، وممارسات التجارة غير العادلة.
جوانب سلبية
على الرغم من وجود فوائد محتملة، إلا أن التعريفات الجمركية اتت أيضًا بانتقادات كبيرة وجوانب سلبية محتملة يعرضها مراقبون من الحزب الديمقراطي، اذ يمكن أن تؤدي التعريفات الجمركية إلى ارتفاع أسعار السلع، مما قد يقلل من القدرة الشرائية للمستهلكين والرفاهة الاقتصادية للاميركيين بشكل عام.
كما قد تفرض الدول المتضررة من التعريفات الجمركية الاميركية تعريفات مضادة على الصادرات الأميركية، مما يلحق الضرر بالمزارعين والمصنعين والمصدرين الآخرين في أميركا.
ويمكن أن تؤدي التعريفات الجمركية إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية، مما يؤدي إلى انخفاض الكفاءة وزيادة التكاليف للشركات التي تعتمد على المواد المستوردة.