تخطي إلى المحتوى
تحليل

الهزّة الضريبية… زيادات بلا إصلاح

الهزّة الضريبية… زيادات بلا إصلاح

في لحظةٍ اقتصادية بالغة الهشاشة، جاء رفع سعر صفيحة البنزين 300 ألف ليرة وزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% ليشكّلا ما يمكن تسميته بـ« الهزّة الضريبية » الجديدة. غير أنّ المسألة لا تقف عند حدود الأرقام، بل تتجاوزها إلى جوهر القرار السياسي الذي رافقها: تمويل زيادة أجور القطاع العام من جيوب المواطنين، من دون أي إصلاح بنيوي فعلي لهذا القطاع.

من حيث المبدأ، لا أحد يعارض تحسين أجور موظفي الدولة الذين تآكلت رواتبهم بفعل التضخم والانهيار. لكن الإشكالية تكمن في الآلية. فبدل أن تأتي الزيادة ضمن خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع العام، وضبط تضخم الوظائف، وتحسين الإنتاجية، وتحديث الإدارة، جرى اللجوء إلى الخيار الأسهل: زيادة الضرائب غير المباشرة.

رفع سعر الوقود لا يعني فقط ارتفاع كلفة تعبئة السيارات. في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النقل البري والمولدات الخاصة، يتحول البنزين إلى عنصر أساسي في تسعير كل سلعة وخدمة. وبالتالي، فإن أي زيادة فيه تتدحرج سريعاً إلى أسعار الغذاء والدواء والنقل والتعليم. أما زيادة الضريبة على القيمة المضافة، فهي بطبيعتها تصيب الاستهلاك اليومي مباشرة، وتثقل كاهل الفئات محدودة الدخل التي تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الحاجات الأساسية.

هكذا، يصبح المواطن ممولاً مباشراً لزيادة الأجور في القطاع العام، لكن من دون ضمان أن يقابل ذلك تحسّن في الخدمات أو إصلاح في بنية الإدارة. والنتيجة معادلة مختلة: تضخم إضافي في الأسعار، مقابل ضخ أموال في قطاع لم يُعَد تنظيمه، ما يهدد بإعادة إنتاج العجز نفسه بعد فترة قصيرة.

اقتصادياً، هذا الخيار يحمل مخاطر واضحة. فالاعتماد على الضرائب غير المباشرة يفاقم الطابع التنازلي للنظام الضريبي، ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، ما ينعكس تراجعاً في الاستهلاك والنشاط الاقتصادي. واجتماعياً، يعمّق الانقسام بين من يستفيد من الزيادة المباشرة في الأجور، ومن يتحمل كلفتها عبر ارتفاع الأسعار.

البديل كان ممكناً: ربط أي تصحيح للأجور بخطة إصلاح إداري حقيقية، تتضمن إعادة توزيع الموارد البشرية، إلغاء الازدواجية في المؤسسات، رقمنة الخدمات، وتطبيق معايير واضحة للكفاءة والمساءلة. كذلك، كان يمكن تمويل الزيادة عبر ضرائب تصاعدية على الأرباح الكبرى أو عبر مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، بدل تحميل الكلفة لعموم المستهلكين.

السياسة المالية ليست مجرد عملية حسابية. إنها تعبير عن رؤية للعدالة وتقاسم الأعباء. حين تُمنح زيادات من دون إصلاح، وتُموّل من ضرائب تصيب الجميع بلا تمييز، يتحول التصحيح الاجتماعي إلى عبء تضخمي جديد. ويبقى السؤال: هل يمكن بناء قطاع عام فعّال عبر زيادات ظرفية، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة هيكلة شاملة تضمن استدامة أي تصحيح مالي وعدالته؟