تجتاح موجة لا هوادة فيها من التفاؤل سوق العملات المشفرة البالغ حجمها نحو 4 تريليونات دولار، مدفوعة بتحركات سياسية في واشنطن لتسريع اندماجها في القطاع المالي المنظم.
أضفى إقرار قانون تاريخي خاص بالعملات المستقرة، إلى جانب الزخم التشريعي الأوسع، شرعية جديدة على هذا القطاع، ما عزّز الأسعار وأعاد إحياء شهية المخاطرة في الأصول الرقمية.
تعود مؤشرات انخراط المستثمرين الأفراد إلى الظهور، وقفز تطبيق "كوين بيس" إلى المرتبة الخامسة في فئة التمويل على متجر "أبل"، صعوداً من المركز الخامس والعشرين قبل شهر، وفقا لشركة تتبع البيانات "سينسور تاور".
كما تشهد عمليات البحث على "جوجل" عن كلمة "بتكوين" ارتفاعاً. وسادت أجواء نشطة في مجموعات "تليغرام" ومنتديات "ديسكورد" خلال "أسبوع العملات المشفرة" في واشنطن، وهو تحرك سياسي منسق بلغ ذروته مع توقيع الرئيس، دونالد ترمب، أول إطار تنظيمي أميركي رئيسي للعملات المستقرة ليصبح قانوناً.
مع ذلك، فإن هذه القفزة المفاجئة في الاهتمام تُخفي واقعاً أكثر تعقيداً عمن يقود التدفقات فعليا، بينما يعود اهتمام المستهلكين تدريجياً، فإن هيكل الانتعاش الحالي يبدو مؤسسيا بوضوح.
اشترى كبار الحائزين من القطاع الخاص الذين يملكون 10 عملات "بتكوين" أو أكثر، نحو 47 ألف وحدة من العملة المشفرة قبيل بلوغها أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 123 ألف دولار في 14 يوليو، وفقا لبيانات "10x ريسيرتش، ومنذ ذلك الحين بدأ هؤلاء الحائزون الكبار بتقليص مراكزهم، ما ساهم في تراجع الأسعار إلى 118,600 دولار.
.يُرجح أن تشهد شركة "كوين بيس غلوبال"، التي تُعلن نتائجها في 31 يوليو، انخفاضاً في حجم التداولات خلال الربع الثاني بنسبة 44% مقارنة بالربع السابق، و3% على أساس سنوي، وفقاً لشركة "أوبنهايمر آند كو".
كما انخفض عدد تنزيلات تطبيق المحفظة التابع للمنصة، والذي أُعيدت تسميته إلى "كوين بيس وولت"، بنسبة 51% مقارنة بالربع السابق، وسُجِّلت تراجعات مماثلة في عدد التنزيلات عبر منصات التداول الكبرى الأخرى، وفقاً لـ"سينسور تاور".
تحوّل جزء كبير من اهتمام المضاربين الذي كان موجهاً سابقاً نحو العملات المشفرة إلى وجهات أخرى. ويشير المحللون إلى أن المستثمرين الأفراد اتجهوا نحو الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأسماء قريبة من عالم العملات المشفرة مثل "استراتيجي" (Strategy)، حيث لا تزال التقلبات والجاذبية مرتفعتين.
تكشف موجة الانتعاش الأحدث تحوّلاً أعمق في مَن يقود حركة الأسعار، وما لذلك من أهمية في بنية السوق، باتت الشركات التي تحتفظ بـ"بتكوين" في ميزانياتها ومديرو الأصول يستحوذون على التدفقات التي كانت تمر سابقاً عبر المحافظ الفردية. ولم يختفِ المستثمرون الأفراد تماماً، لكن تأثيرهم بات يُوجَّه من خلال المنتجات المالية المهيكلة، وليس عبر النشاط المباشر في السوق.
الوقت سيكشف ما إذا كان هذا التغير سيمثل تحولاً دائماً أم لا، إذ يجادل مؤيدو تعزيز مشاركة المؤسسات بأن الشركات المالية الراسخة توفّر السيولة التي تشتد الحاجة إليها، وتُقلّل من التقلبات، وتُضفي سلوكاً أكثر قابلية للتوقّع. وهم يرون في تحويل العملات المشفرة لبيئة أكثر احترافاً وتنظيماً شرطاً أساسياً لدمجها في أسواق رأس المال العالمية.
في المقابل، يرى المشكّكون أن الإفراط في تبني الطابع المؤسسي قد يُقوّض المبادئ التي تأسست عليها العملات المشفرة، فالسوق التي تهيمن عليها الصناديق المتداولة في البورصة والوسطاء المنظمون، قد تضعف الزخم التشاركي الذي كان سائداً في مراحلها الأولى. كما تثار مخاوف من أن الابتكار وسهولة الوصول المفتوح قد يتعرضان للضرر مع انتقال رؤوس الأموال إلى أدوات استثمارية خاضعة للرقابة.
لا تقتصر التدفقات إلى الصناديق المتداولة في البورصة على المؤسسات فحسب بل يظل اهتمام الأفراد قائماً، وإنْ كان من خلال قنوات الاستشارات والوساطة.
وجذبت صناديق "بتكوين" الفورية المتداولة نحو 19 مليار دولار العام الجاري، ما يُبرز الطلب من كلا فئتي المستثمرين. ومع ذلك، فإن السيطرة والمشاركة ليستا مترادفتين، ويبدو بشكل متزايد أن مركز الثقل بات بيد الجهات المخصّصة للأصول.
قد تعود المشاركة الواسعة للمستثمرين الأفراد في وقت لاحق. لكن في الوقت الراهن، لا يحدد إيقاع السوق في محادثات "تليغرام" أو منتديات التداول، بل على مكاتب المؤسسات المالية التقليدية. مع ذلك، لاحظ راين من "غالاكسي ديجيتال" أن "شعور الإلحاح" يسود بين المستثمرين على اختلاف أحجامهم.