تخطي إلى المحتوى
دولية

توقعات الذهب : فقاعة جديدة أم أننا أمام تسعير مبكر لعصر الفائدة المنخفضة؟

توقعات الذهب : فقاعة جديدة أم أننا أمام  تسعير مبكر لعصر الفائدة المنخفضة؟

تداول الذهب فوق 4200 دولار لم يعد مجرد رقم جديد في سجل الأسعار، بل أصبح عنوانًا لمرحلة جديدة من التحول في تحركات الأسواق العالمية. وهذا الارتفاع القياسي الذي يتواصل حتى اليوم الخميس، حيث يقترب مستوى 4250 دولارًا ، ويعكس مزيجًا دقيقًا من المخاوف الاقتصادية، والسياسات النقدية التوسعية المرتقبة، وتراجع الثقة في الدولار الأميركي كعملة ملاذ تقليدي. ومع أن المؤشرات الفنية تومئ بتشبع شرائي واضح، إلا أن العوامل الأساسية لا تزال تمنح الذهب ما يكفي من الزخم لمواصلة الارتفاع في المدى القريب.

ومن وجهة نظري، يمكن القول إن الذهب يعيش لحظة فريدة يتقاطع فيها العامل الفني بالعامل النفسي والاقتصادي. فالإغلاق فوق الحد العلوي للقناة الصاعدة على الرسم البياني اليومي يشير بوضوح إلى أن المشترين يسيطرون على المشهد، ورغم تزايد إشارات ذروة الشراء في مؤشر القوة النسبية (RSI) وهذا عادة ما يكون مؤشرًا على احتمالية حدوث تصحيح سعري قريب، إلا أن الأسواق في هذه المرحلة تتحرك وفق الإشارات الأساسية أكثر من المؤشرات الفنية. فطالما ظل الدولار تحت ضغط واضح وتواصلت رهانات خفض الفائدة الأميركية، فإن أي تراجع مؤقت في أسعار الذهب سيُقابل بموجات شراء جديدة تعزز الاتجاه الصاعد مجددًا.

مما يدعم هذا السيناريو هو ضعف الدولار الواسع، والذي فقد جاذبيته تدريجيًا أمام العملات الرئيسية مع تصاعد التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بات أقرب من أي وقت مضى إلى دورة خفض أسعار الفائدة. وتشير التوقعات إلى أن الأسواق تسعّر بنسبة تقارب 95% خفضًا للفائدة في اجتماعي تشرين الاول أكتوبر وكانون الاول ديسمبر ، وهو ما يجعل الذهب – كأصل لا يدر عائدًا – أكثر تنافسية مقارنة بالأدوات المالية الأخرى. كما أن تصريحات رئيس الفيدرالي جيروم باول الأخيرة، التي أبدى فيها قلقه المتزايد بشأن تباطؤ سوق العمل أكثر من التضخم، فتحت الباب واسعًا أمام هذا الاحتمال، لتتحول لغة السياسة النقدية الأميركية إلى عامل دعم رئيسي للذهب في الأسابيع المقبلة.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي والاقتصادي الأوسع الذي يغذي هذا الاتجاه الصاعد. فالنزاع التجاري المتجدد بين الولايات المتحدة والصين، وتصريحات واشنطن التي تصف القيود الصينية على الصادرات بأنها "استيلاء على قوة سلسلة التوريد العالمية"، أعادت إلى الأسواق درجة عالية من الحذر. وهذه التوترات، التي تأتي في ظل ضعف البيانات الاقتصادية الأميركية وإغلاق حكومي محتمل قد يكلف الاقتصاد نحو 15 مليار دولار أسبوعيًا، تعيد تشكيل شهية المخاطرة لدى المستثمرين وتدفعهم نحو الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب.

إضافة إلى ذلك، فإن الغياب النسبي للبيانات الاقتصادية الأميركية المهمة بسبب استمرار حالة الإغلاق الحكومي يزيد من حالة الضبابية، مما يجعل تصريحات مسؤولي الفيدرالي وتحركات الأسواق المالية هي المصدر الرئيسي لتوجهات المتداولين. ومع غياب الأرقام الرسمية التي يمكن الاعتماد عليها لتقييم صحة الاقتصاد الأميركي، تصبح الأصول الآمنة مثل الذهب خيارًا أكثر وضوحًا لدى مديري الصناديق والمستثمرين الأفراد على حد سواء.

وهنا يمكنني القول إن الذهب قد دخل منطقة “المبالغة في الشراء” على المدى القصير، ومع ذلك لا تظهر أي إشارات انعكاس مؤكدة بعد. عادة ما تشهد الأسواق تصحيحًا سعريًا بعد موجات صعود قوية كهذه، خاصة إذا ارتفع السعر أكثر من 10% خلال فترة قصيرة دون توقف. ومع ذلك، فإن طبيعة هذا التصحيح – إن حدث – ستكون على الأرجح محدودة في الزمن والنطاق، إذ سيجد الذهب طلبًا قويًا عند أي تراجع نحو مستويات 4150–4100 دولار. وهذه المناطق قد تمثل فرص إعادة تمركز للمشترين قبل أي اندفاع جديد نحو قمم تاريخية أعلى.

لذا، أرى أن المسار الأساسي للذهب لا يزال صاعدًا طالما لم تتغير معطيات السياسة النقدية الأميركية بشكل جوهري. فالفيدرالي اليوم ليس في موقع يسمح له بتشديد السياسة مجددًا، بل هو مضطر لتهدئة الأسواق ومنح الاقتصاد مزيدًا من الدعم في مواجهة تباطؤ واضح في التوظيف والإنفاق الاستهلاكي. ومع استمرار ضعف الدولار وتوسع التوقعات بخفض الفائدة مرتين على الأقل قبل نهاية العام، فمن المنطقي أن يواصل الذهب استقطاب التدفقات الاستثمارية.

أما في المدى المتوسط، فإن تجاوز مستوى 4300 دولار يبدو ممكنًا بل ومبررًا إذا استمرت الظروف الحالية دون تحسن جوهري في بيانات النمو الأميركي. ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في التوقعات قصيرة المدى، لأن الأسواق تميل دائمًا إلى جني الأرباح قبيل الأحداث الكبرى مثل خطابات الفيدرالي أو اجتماعاته، ما قد يدعم تذبذبات حادة ومفاجئة.

وفي النهاية، يمكنني القول إن الذهب اليوم لا يتحرك فقط كأصل مالي، بل كمرآة تعكس هشاشة الثقة في الدولار وفي قدرة السياسات النقدية على تحقيق التوازن بين التضخم والنمو. والصعود فوق 4200 دولار ليس مجرد صدفة، بل نتيجة طبيعية لتقاطع عوامل اقتصادية وجيوسياسية ونقدية في لحظة واحدة. وبرأيي، ما لم يحدث تحول مفاجئ في توجهات الفيدرالي أو انفراج حقيقي في العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين، فإن الذهب مرشح للاستقرار فوق 4200 وربما اختبار 4300 دولار في الأسابيع المقبلة، ليؤكد مجددًا أنه الملك الحقيقي لمرحلة عدم اليقين.