تشهد أسواق النفط في المرحلة الراهنة حالة معقدة من التوازن الهش بين عوامل جيوسياسية داعمة للأسعار وقوى مالية واقتصادية ضاغطة تحدّ من قدرتها على تحقيق مكاسب مستدامة. ومن وجهة نظري، فإن التحركات الأخيرة في أسعار الخام قرب 64.00 دولارلا تعكس بالضرورة تغيراً جوهرياً في أساسيات السوق بقدر ما تعبّر عن ردود فعل سريعة للأحداث السياسية والأمنية، خاصة التوترات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ما زالت تمثل عاملاً نفسياً مؤثراً أكثر منها عاملاً فعلياً في جانب العرض حتى الآن.
وارتفاع أسعار خام برنت والنفط الخام عقب اقتراب الزوارق الايرانية من ناقلة نفط أمريكية يؤكد أن السوق لا يزال حساساً لأي إشارة تهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي الذي تمر عبره غالبية صادرات النفط الخليجية إلى آسيا. وبرأيي، هذا الحساسية مبالغ فيها نسبياً، لأن التاريخ القريب يظهر أن مثل هذه الحوادث غالباً ما تُستثمر سياسياً وتفاوضياً دون أن تتحول إلى تعطيل فعلي طويل الأمد للإمدادات. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن مجرد ارتفاع منسوب المخاطر الجيوسياسية يكفي لدفع المتداولين إلى تسعير علاوة مخاطر مؤقتة.
في المقابل، أرى أن عمليات البيع الواسعة في أسواق الأسهم العالمية تشكّل عاملاً كابحاً مهماً أمام أي صعود قوي للنفط. فالنفط لم يعد يتحرك بمعزل عن المزاج العام للأسواق المالية، بل بات جزءاً من سلة أصول يتعامل معها المستثمرون وفق استراتيجيات إدارة المخاطر والسيولة. وعندما تتراجع شهية المخاطرة، كما يحدث في فترات التوتر المالي أو تصحيح الأسواق، يصبح من الصعب على النفط الاحتفاظ بمكاسبه حتى في ظل أخبار جيوسياسية داعمة، وهو ما يفسر محدودية الارتفاعات الأخيرة.
ومن زاوية أخرى، يلعب الدولار الأمريكي القوي دوراً محورياً في تقييد صعود أسعار النفط. وأرى أن استمرار السياسة النقدية المتشددة نسبياً في الولايات المتحدة، أو حتى توقعات تأجيل خفض أسعار الفائدة، يضغط على الطلب الاستثماري على النفط. فارتفاع الدولار يجعل الخام أكثر كلفة على الدول المستوردة، ويحد من تدفقات رؤوس الأموال المضاربة إلى أسواق الطاقة، مهما كانت العوامل السياسية داعمة.
أما على صعيد الأساسيات، فإن بيانات انخفاض مخزونات النفط الخام الأمريكية بأكثر من 11 مليون برميل تمثل بلا شك عاملاً إيجابياً، وتعكس تحسناً مؤقتاً في التوازن بين العرض والطلب. غير أن قراءتي لهذه البيانات تتسم بالحذر، لأن الأسواق كثيراً ما تبالغ في رد الفعل قبل صدور الأرقام الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. كما أن التوقعات المسبقة بارتفاع المخزونات، وفق استطلاع رويترز، تشير إلى أن السوق منقسم في رؤيته، وهو ما يعزز التقلبات قصيرة الأجل بدلاً من رسم اتجاه واضح.
وفيما يتعلق بالطلب العالمي، أرى أن الاتفاقية التجارية بين الولايات المتحدة والهند تحمل دلالات إيجابية متوسطة الأجل، خاصة إذا ترجمت إلى نمو فعلي في النشاط الصناعي والتجاري. الهند تمثل أحد أهم محركات نمو الطلب على الطاقة في السنوات المقبلة، وأي تحسن في علاقاتها التجارية مع واشنطن قد ينعكس على استهلاك النفط. ومع ذلك، لا أتوقع أن يكون لهذا العامل تأثير فوري وقوي، بل سيبقى ضمن إطار الدعم النفسي أكثر منه دعماً رقمياً ملموساً في الأجل القصير.
كما تستمر الحرب في أوكرانيا والهجمات الروسية في لعب دور غير مباشر في سوق النفط، عبر الإبقاء على شبح العقوبات المفروضة على الخام الروسي. ومن وجهة نظري، السوق بات متأقلماً جزئياً مع هذا الملف، حيث وجدت روسيا قنوات بديلة لتصدير نفطها، خصوصاً إلى آسيا. لكن أي تشديد جديد في العقوبات أو تعطيل مفاجئ للإمدادات الروسية قد يعيد خلط الأوراق ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ولو مؤقتاً.
وبناءً على مجمل هذه العوامل، أتوقع أن تظل أسعار النفط في المدى القريب محصورة ضمن نطاق عرضي متقلب، مع ميل طفيف للصعود المشروط بتطورات جيوسياسية مفاجئة أو بيانات قوية تؤكد تحسن الطلب. في تقديري، سيواجه الخام صعوبة في اختراق مستويات أعلى بشكل مستدام ما لم نشهد إما تصعيداً حقيقياً يهدد الإمدادات أو تحولاً واضحاً في السياسة النقدية الأمريكية يضعف الدولار. أما في المدى المتوسط، فأرجح أن يعود التركيز تدريجياً إلى أساسيات السوق، خصوصاً نمو الطلب العالمي وقدرة أوبك وحلفائها على إدارة المعروض بمرونة.
وفي الخلاصة، أرى أن سوق النفط يعيش حالة شد وجذب بين السياسة والاقتصاد، وبين الخوف والطمع. المستثمر الذكي، ومن وجهة نظري، هو من يتعامل مع هذه المرحلة بحذر، ويفصل بين الضجيج الإخباري والاتجاهات الهيكلية طويلة الأجل، لأن المكاسب السريعة قد تكون مغرية، لكنها في سوق متقلب كهذا لا تخلو من مخاطر عالية.