تخطي إلى المحتوى
تحليل

لم نصنع الانهيار… لكنكم اليوم مسؤولون عن وقفه.

لم نصنع الانهيار… لكنكم اليوم مسؤولون عن وقفه.

لنكن واضحين منذ الكلمة الأولى: الحكومة الحالية لم تُصمِّم الهندسات المالية، ولم تُثبّت سعر الصرف لعقود، ولم تُراكم فجوة تفوق السبعين مليار دولار، ولم تُعطِّل الرقابة المصرفية، ولم تُحوِّل مصرف لبنان إلى غرفة عمليات لإدارة الوقت بدل إدارة المخاطر. هذا صحيح. لكن ما هو صحيح أيضاً، وبدرجة لا تقل حدّة، أن الحكومة الحالية باتت تتحمّل اليوم مسؤولية كاملة عن الخروج من هذا الانهيار، أو عن تثبيته وتشريعه إن اختارت الهروب.

الانهيار اللبناني لم يكن زلزالاً طبيعياً. كان مساراً سياسياً–مالياً متكاملاً، شاركت فيه حكومات متعاقبة، وسلطات نقدية، وبرلمان اختار الصمت. المواطن لم يكن شريكاً. المودع لم يُستشر حين استُخدمت ودائعه لتمويل دولة عاجزة. العامل لم يوقّع على قرار خنق الاقتصاد عبر تعطيل الوساطة المالية. والمؤسسة لم تختَر أن تتحوّل إلى ضحية لانهيار ائتماني شامل. ومع ذلك، هؤلاء الثلاثة هم من دفعوا الثمن كاملاً.

اليوم، يُطلب من هؤلاء أن يتفهموا، أن ينتظروا، أن يمتثلوا. تُقال لهم الحقيقة مجتزاه: "نحن لم نكن هنا عندما حصل الانهيار". هذه الجملة، على صحتها الجزئية، تتحوّل إلى تواطؤ إذا استُخدمت ذريعة لتعليق القرار.

المودع لا يطالب بمحاكمة الحكومة الحالية على الماضي، بل بموقف واضح في الحاضر. العامل لا يسأل من سرق النمو، بل من سيعيد تشغيله. والمؤسسة لا تبحث عن كبش فداء، بل عن نظام مالي يعمل. هنا تبدأ المسؤولية السياسية الحقيقية: ليس في تبرئة النفس من التاريخ، بل في تحمّل ثقل الحاضر.

ما يحصل اليوم خطير لأنه يُعيد إنتاج منطق الانهيار بلغة أكثر نعومة. فبدل الاعتراف الصريح بالخسائر وتوزيعها وفق تراتبية قانونية واضحة، نُدفَع نحو قوانين تُنظّم الخسارة بدل أن تُصحّحها. وبدل إعادة تعريف الوديعة كحق ملكية غير قابل للتفاوض، يُعاد تسويقها كالتزام مؤجَّل مشروط بالسيولة والقرار السياسي. وبدل إعادة هيكلة المصارف وفرز القابل للحياة من المفلس، يُترك القطاع في حالة سيولة رمادية تُشلّ الاقتصاد وتُعمّق النزف.

هنا بالضبط، لا تعود مسألة "من المسؤول عن الانهيار" هي السؤال الجوهري. السؤال الحقيقي هو: من يملك القرار اليوم، وماذا يفعل به؟

الحكومة الحالية لا تستطيع الادعاء بأنها غير معنية. فامتلاك السلطة التنفيذية يعني امتلاك واجب القرار. لا يمكن الاكتفاء بخطاب الواقعية الذي يُستخدم لتبرير كل تراجع. الواقعية ليست تقنين الظلم. الواقعية هي قول الحقيقة كاملة: نعم، الخسائر وقعت. نعم، النظام مفلس. نعم، الدولة مدينة. لكن الواقعية أيضاً تعني تسمية المسؤوليات، وفرض الخسائر على من استفاد، لا على من عُلِّقت حقوقه.

الاستمرار في إدارة الأزمة بلا خطة مكتوبة، بلا أرقام موحّدة، وبلا جدول زمني، ليس حياداً. إنه خيار سياسي. خيار يُبقي المودع رهينة، والعامل معلّقاً، والمؤسسة مخنوقة. وخيار كهذا، حتى لو لم يصنع الانهيار، يُصبح شريكاً في استدامته.

الأخطر أن الدولة تُظهر اليوم كفاءة عالية في بناء أدوات التتبع والجباية، فيما تتردّد في استعادة الحقوق. تُحسِن رصد التدفقات النقدية، لكنها لا تُحسِن إعادة تشغيل الوساطة المالية. تُطالب بالامتثال الضريبي، فيما الودائع ما زالت معلّقة، والمصارف بلا فرز، والمحاسبة بلا عنوان. هذه ليست إدارة دولة، بل قلب لأولويات العدالة.

وهنا لا يعود الحديث تقنياً. يصبح سياسياً بامتياز. لأن الدولة التي تطلب من مواطنيها الالتزام فيما هي نفسها لم تحسم خياراتها، ولم تُعلن خطتها، ولم تُواجه شبكات المصالح التي صنعت الانهيار، تفقد ما تبقّى من شرعيتها المعنوية.

لا أحد يطلب من الحكومة الحالية أن تُصلح ثلاثين عاماً في ستة أشهر. لكن يُطلب منها ما هو أبسط وأخطر: أن تختار. إمّا أن تُعيد الانتظام إلى القطاع المالي عبر خطة واضحة، مكتوبة، تُحدّد مصير الودائع، وتُفرز المصارف، وتُعيد الوساطة المالية إلى وظيفتها، وتربط أي جباية بعدالة تصحيحية حقيقية. وإمّا أن تستمر في سياسة التدوير، حيث يُستبدل القرار بالتنسيق، والحسم بالانتظار، والمواجهة بالخطاب.

في الحالة الأولى، تُسجَّل الحكومة كمن لم يصنع الانهيار، لكنه أوقفه. في الحالة الثانية، سيُقال عنها إنها لم تكن مسؤولة عن الجريمة، لكنها قرّرت تغطيتها.

الخيار لا يزال متاحاً، لكنه ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية. لأن الاقتصاد لا ينتظر، والمجتمع لا ينسى، والحقوق التي تُعلّق طويلاً تتحوّل إلى نقمة سياسية عاجلاً أم آجلاً. والتاريخ، كما نعلم، لا يحاسب على النوايا، بل على لحظة القرار أو لحظة التهرّب منه.