أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملف الرسوم الجمركية إلى صدارة المشهد الاقتصادي بعد إعلانه أن العجز التجاري انخفض بنسبة 78 في المئة بفضل سياسة الرسوم المتبادلة التي طالت أكثر من 100 دولة منذ نيسان أبريل 2025. وبينما شكك منتقدوه في دقة الرقم فإن قراءة أوسع للبيانات تظهر أن هذه السياسات أحدثت بالفعل تحولاً ملموساً في ديناميكية التجارة الأمريكية حتى وإن كانت الصورة أكثر تعقيداً من مجرد نسبة واحدة.
في كانون الثاني يناير 2025 اتسع العجز التجاري إلى 131.4 مليار دولار مع تسابق الشركات إلى استيراد السلع قبل دخول الرسوم الجديدة حيز التنفيذ. وفي اذار مارس بلغ العجز مستوى قياسياً عند 140.5 مليار دولار نتيجة تسارع الواردات بما في ذلك الذهب والأدوية. بعد تطبيق الرسوم في نيسان أبريل تراجعت الواردات بشكل واضح وبحلول أكتوبر انخفض العجز الشهري إلى نحو 29.4 مليار دولار وهو أدنى مستوى منذ عام 2009.
المقارنة بين ذروة ما قبل الرسوم وأدنى مستوى بعد تطبيقها تظهر تراجعاً يقارب 78 في المئة. صحيح أن هذه المقارنة تستند إلى أرقام شهرية متقلبة لكنها تعكس أيضاً تغيراً فعلياً في سلوك الاستيراد بعد رفع كلفة الواردات.
البيانات السنوية تظهر أن العجز في 2025 بلغ نحو 901.5 مليار دولار مقارنة بـ 903.5 مليار في 2024 أي تراجع محدود نسبته 0.2 في المئة. إلا أن الاتجاه في النصف الثاني من العام يشير إلى مسار أكثر توازناً بعد انحسار موجة الاستيراد الاستباقي.
سياسة الرسوم لم تقتصر آثارها على الميزان التجاري بل رفعت إيرادات الجمارك إلى 264 مليار دولار في 2025 بزيادة تقارب 185 مليار دولار عن العام السابق ما ساهم في خفض العجز الفيدرالي إلى 1.67 تريليون دولار وهو أدنى مستوى في ثلاث سنوات. من منظور الإدارة شكلت الرسوم أداة لتعزيز الإيرادات وتقوية الموقف التفاوضي في آن واحد.
كما استخدمت واشنطن الرسوم كورقة ضغط لإعادة التفاوض على شروط التجارة مع شركاء رئيسيين مثل الصين والاتحاد الأوروبي وكندا. بعض الاختلالات الثنائية شهدت تراجعاً في الأشهر التي تلت تطبيق الرسوم ما يعكس تأثيراً مباشراً في تدفقات التجارة.
في المقابل تشير دراسات إلى أن جزءاً كبيراً من كلفة الرسوم يتحمله المستهلكون والشركات الأميركية. غير أن مؤيدي السياسة يرون أن الهدف يتجاوز الأثر السعري قصير الأجل ويركز على تصحيح اختلالات هيكلية طويلة الأمد وتشجيع إعادة توطين سلاسل الإمداد.
الصورة العامة توضح أن نسبة 78 في المئة تعكس مقارنة محددة بين ذروة استثنائية ومستوى منخفض لاحق أكثر مما تعكس متوسطاً سنوياً مستقراً. ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن الرسوم أحدثت تحولاً سريعاً في حركة الواردات وزادت الإيرادات وأعادت ملف العجز التجاري إلى قلب النقاش الاقتصادي في الولايات المتحدة.
قد لا يكون التحول كاملاً بعد لكن من الواضح أن سياسة الرسوم لم تكن خطوة رمزية بل أداة ضغط فعلية أعادت صياغة ميزان القوى في التجارة الأميركية وأدخلت الاقتصاد في مرحلة إعادة تموضع ما زالت نتائجها تتبلور.