تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان حاضراً في الشكل، وغائباً في الفعل.

لبنان حاضراً في الشكل، وغائباً في الفعل.

لطالما شكّلت علاقة لبنان بكلٍّ من مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مرآةً لوضعه الاقتصادي والسياسي. منذ نهاية الحرب الأهلية، كان لبنان حاضراً في برامج الدعم والمشورة، مستفيداً من تمويل مشاريع إعادة الإعمار ومن الدعم التقني، لكن من دون أن يتحوّل يوماً إلى نموذج إصلاحي متكامل. العلاقة بقيت، في جوهرها، علاقة حاجة أكثر منها شراكة قائمة على التزام متبادل. في محطات مفصلية، كان الأمل يتجدّد بإمكانية الانتقال إلى مسار إصلاحي حقيقي. مؤتمر باريس 1 و2 و3، ثم مؤتمر "سيدر"، كلّها حملت وعوداً مشروطة بإصلاحات لم تُنفّذ. لكن اللحظة الأكثر حساسية جاءت في نيسان 2022، مع التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين Staff-Level Agreement – SLA مع صندوق النقد الدولي، الذي شكّل خريطة طريق واضحة للخروج من الأزمة. يومها، بدا وكأن لبنان يقف على عتبة تحول جدّي، مدعوماً بتشخيص دقيق وإجراءات محددة. إلا أن هذا الاتفاق سرعان ما تحوّل إلى فرصة مهدورة، بعدما عجزت السلطات عن ترجمة الالتزامات إلى قوانين وإصلاحات فعلية، فبقي حبراً على ورق، وتعمّق معه فقدان الثقة الدولية بقدرة لبنان على الالتزام.

منذ ذلك الحين، لم يعد التحدي في تشخيص الأزمة أو في اقتراح الحلول، بل في القدرة على التنفيذ. ومع كل استحقاق دولي جديد، بما في ذلك اجتماعات الربيع، يتكرّس الانطباع ذاته: لبنان يعرف ما يجب فعله، لكنه لا يفعل.

يذهب لبنان مجدداً إلى اجتماعات الربيع لعام 2026 لكلٍّ من مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفدٌ رسمي يضم ثلاثة وزراء - المالية، والاقتصاد، والشؤون الاجتماعية - إلى جانب عدد من الفاعليات الاقتصادية والمستشارين. لقاءات، تصريحات، صور، وربما وعود. لكن خلف هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: ماذا يحمل لبنان معه إلى هذه الاجتماعات؟

في العادة، لا تذهب الدول إلى هذه المنصات فقط لطلب الدعم، بل لتقديم ما يثبت أهليتها له. تذهب برؤية واضحة، بخطة متكاملة، وبالتزام سياسي قابل للتنفيذ. أما لبنان، فيذهب مثقلاً بأزمة يعرفها الجميع، من دون أن يقدّم ما يكفي لإقناع العالم بقدرته على الخروج منها. وهنا تحديداً تكمن الإشكالية.

المجتمع الدولي لم يعد يفتقر إلى فهم الأزمة اللبنانية. على العكس، هو ربما أكثر وضوحاً من الداخل اللبناني نفسه في تشخيصها. المشكلة لم تعد في "ما الذي يجب فعله"، بل في "هل هناك إرادة لفعل ذلك؟". وهذا الفارق جوهري. لأن ما يُطلب من لبنان اليوم ليس المزيد من الدراسات، بل قرار سياسي يترجم إلى خطوات تنفيذية. في هذا السياق، يصبح تقييم مشاركة لبنان في هذه الاجتماعات مسألة نوعية لا شكلية. ليس مهماً من حضر، بل ماذا حمل معه. ليس مهماً عدد اللقاءات، بل ماذا نتج عنها. فالدول لا تُقاس بمدى قدرتها على الحضور، بل بمدى قدرتها على الالتزام.

الحقيقة القاسية أن التمثيل اللبناني، رغم أهميته الشكلية، لا يزال يعاني من فجوة أساسية: غياب التفويض السياسي الكامل. الوفد قد يكون تقنياً كفوءً، وقد يطرح أفكاراً منطقية، لكنه يظل محدود القدرة إذا لم يكن مدعوماً بقرار سيادي واضح يسمح له بالتفاوض والالتزام. وهنا تتحول المشاركة إلى نوع من "إدارة الحضور" بدل أن تكون "إدارة أزمة". وفي غياب هذا التفويض، تصبح الرسالة التي تصل إلى المجتمع الدولي مزدوجة ومقلقة: لبنان يريد المساعدة، لكنه غير قادر على الالتزام بشروطها. يريد الدعم، لكنه متردد في اتخاذ القرارات التي تبرّره. وهذه الازدواجية تحديداً هي ما يعمّق فقدان الثقة.

أما عن الإنتاجية، فهي لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا ببيانات المجاملة. المعيار الحقيقي بسيط: هل عاد الوفد بخارطة طريق واضحة؟ هل هناك جدول زمني للإصلاحات؟ هل تم تحقيق أي تقدم ملموس في مسار التفاهم مع صندوق النقد؟ إذا كان الجواب سلبياً، فإن الحضور، مهما كان نشطاً، يبقى بلا أثر٠

المشكلة الأعمق أن لبنان لا يزال يتعامل مع هذه الاجتماعات كأنها محطة تفاوضية خارجية، فيما هي في جوهرها امتحان داخلي. ما يهم ليس ما نقوله هناك، بل ما نستطيع تنفيذه هنا. فالمجتمع الدولي لم يعد يشتري الوعود، بل يراقب الأفعال. وكل تأخير، كل تردد، كل محاولة للالتفاف، تُترجم مباشرة إلى مزيد من العزلة.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى تحسين صورته في الخارج بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء مصداقيته في الداخل. لأن الثقة الدولية ليست قراراً سياسياً يُمنح، بل نتيجة طبيعية لسلوك دولة تثبت أنها قادرة على إدارة نفسها.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: ماذا سنأخذ من اجتماعات الربيع؟ بل: هل نحن جاهزون لنقدّم ما يجعلنا شركاء موثوقين؟ إذا لم يتغير هذا المنطق، سيبقى لبنان يحضر دون أن يُؤخذ على محمل الجد. وسيستمر العالم في الاستماع دون أن يقتنع. وفي لحظة إقليمية ودولية تتسارع فيها التحولات،

‏قد يكون أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو أن يظل ثابتاً في مكانه، حاضراً في الشكل، وغائباً في الفعل.