يتداول الذهب بالقرب من 5135 دولار للأونصة، وفي الجلسة الآسيوية المبكرة لامس 5174 دولار، في مشهد يعكس بوضوح عودة قوية لتدفقات الملاذ الآمن. ومن وجهة نظري، فإن هذا الصعود لا يمكن فصله عن البيئة الجيوسياسية والاقتصادية المتوترة التي أعادت تسعير المخاطر عالميًا، خصوصًا مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى نهج التعريفات الجمركية التصعيدي، بالتوازي مع ترقب الأسواق للمحادثات الأمريكية الإيرانية في جنيف. لذا نحن أمام سوق لا يتفاعل مع خبر واحد، بل يعيد تقييم منظومة مخاطر كاملة.
أيضاً قرار المحكمة العليا الأميركية بإبطال بعض الرسوم لم يُنهِ حالة عدم اليقين، إذ سارع ترامب إلى استخدام أدوات قانونية أخرى لفرض تعريفات جديدة بموجب قانون التجارة لعام 1974، ورفعها تدريجيًا، مع الإبقاء على تعريفات الأمن القومي. وبرأيي، هذا السلوك السياسي يعزز ما أسميه "علاوة الضبابية"، وهي علاوة سعرية يضيفها المستثمرون على الأصول الآمنة حين تصبح قواعد اللعبة التجارية غير مستقرة. والذهب بطبيعته يستفيد من هذه العلاوة، لأنه لا يرتبط بالتزامات سيادية ولا يتأثر مباشرة بسلاسل الإمداد أو القيود الجمركية. لذلك أرى أن مستوى 5000 دولار لم يعد سقفًا نفسيًا صلبًا، بل قاعدة سعرية جديدة في ظل استمرار هذا النهج.
وفي المقابل، تترقب الأسواق المحادثات الأميركية الإيرانية في جنيف. وصحيح أن أي انفراجة دبلوماسية قد تخفف جزءًا من علاوة المخاطر الجيوسياسية، لكن تجربتي في تحليل الأسواق تؤكد أن الأثر عادة يكون مؤقتًا ما لم يُترجم إلى اتفاق شامل ومستدام. والتهديدات بضربات محدودة، حتى لو جاءت بالتوازي مع حديث عن اتفاق محتمل، تُبقي عنصر عدم اليقين قائمًا. لذلك أتوقع أن أي تراجع في الذهب بسبب أخبار إيجابية من جنيف سيكون محدودًا ويقابله طلب استثماري عند الانخفاض.
والأكثر أهمية من التطورات اللحظية هو التحول الهيكلي في نظرة المؤسسات الكبرى للذهب. رفع بنك جي بي مورغان توقعاته لسعر الذهب لعام 2026 من 5055 إلى 6300 دولار، مع طرح سيناريو يصل إلى 8000 دولار، ليس مجرد تعديل رقمي، بل إقرار بأننا أمام دورة طويلة الأمد. التصحيح الأخير بنسبة 11%، والذي قورن بانخفاضات تاريخية في 1980 و1983، لا يغير الاتجاه العام. ومن وجهة نظري، هذا التصحيح كان صحيًا لإخراج المضاربات القصيرة الأجل، بينما بقي المستثمر طويل الأجل متمسكًا بمراكزه.
والطرح الآن حول إمكانية وصول الذهب إلى نطاق 8000–8500 دولار إذا ارتفعت حصة استثمارات الأسر من نحو 3% إلى 4.6% يعكس حقيقة مهمة: السوق ضيقة من ناحية المعروض. الإنتاج المنجمي الجديد محدود، والبنوك المركزية مستمرة في الشراء. أي زيادة طفيفة في الطلب الاستثماري قد تُحدث اختلالًا سعريًا حادًا. وهنا أتبنى رؤية واضحة: الذهب لم يعد مجرد أداة تحوط ظرفية، بل يتحول تدريجيًا إلى "أصل أساسي" في المحافظ.
وهذا التحول يتقاطع مع دعوات داخل مؤسسات كبرى مثل مورغان ستانلي لإعادة النظر في نموذج 60/40 التقليدي بين الأسهم والسندات، واستبداله بتوزيع 60/20/20 يتضمن 20% معادن نفيسة. وبرأيي، هذه الدعوات تعكس إدراكًا بأن السندات لم تعد توفر الحماية نفسها في بيئة تتسم بارتفاع الديون وتقلب التضخم. عندما تبدأ الأسر باستبدال "مخاطر المدة" في السندات بذهب فعلي أو صناديق مدعومة به، فنحن أمام إعادة توازن تاريخية بين العائد ومخاطر القوة الشرائية.
وتآكل القوة الشرائية هو المحرك الأعمق لهذا الاتجاه. الدين الحكومي الأمريكي المتضخم يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة، حيث يصبح التضخم أداة ضمنية لإدارة العبء الحقيقي للدين. حتى لو تباطأ مؤشر أسعار المستهلك، فإن ضغوط المعروض النقدي لا تزال قائمة. ومن وجهة نظري، الذهب يسعّر هذه المخاطر المستقبلية لا البيانات الشهرية فقط. لذلك فإن متابعة بيانات مؤشر أسعار المنتجين أو قرارات الاحتياطي الفيدرالي مهمة على المدى القصير، لكنها لا تلغي الصورة الكبرى.
وارتفاع الذهب بأكثر من 170% خلال خمس سنوات لم يكن صدفة. نحن نعيش حقبة تشرذم جيوسياسي، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى تصاعد التوترات التجارية، ما دفع البنوك المركزية إلى مضاعفة مشترياتها وتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار بعد تجميد أصول روسية. وهذا السلوك الرسمي يمنح السوق قاعدة طلب صلبة. وفي تحليلي، طالما استمرت البنوك المركزية في الشراء الصافي، فإن أي هبوط حاد سيُقابل بطلب سيادي داعم.
وبناءً على كل ما سبق، أتوقع أن يظل الاتجاه العام صاعدًا على المدى المتوسط والطويل، مع تقلبات حادة على المدى القصير. قد نشهد تراجعات نحو مناطق 4976 – 5090 دولار إذا هدأت التوترات أو جاءت بيانات تضخم أضعف، لكنني أراها فرصًا لإعادة بناء المراكز. أما استهداف 6500 دولار خلال العامين المقبلين فأراه سيناريو مرجحًا، في حين يبقى الوصول إلى 8000 دولار مشروطًا بتسارع التحول في تخصيصات المحافظ وازدياد الطلب الاستثماري الأسري.
وخلاصة رؤيتي أن الذهب لم يعد يتحرك بدافع الخوف فقط، بل بدافع إعادة تقييم هيكلية لدوره في النظام المالي العالمي. ونحن أمام انتقال من مرحلة "التحوط عند الأزمات" إلى مرحلة "التموضع الاستراتيجي طويل الأجل". وفي ظل استمرار التعريفات، وضبابية المشهد الجيوسياسي، وضغوط الديون والتضخم، أرى أن المعدن الأصفر لا يزال في منتصف رحلته الصاعدة، لا في نهايتها.