ارتفع الذهب لليوم الثاني على التوالي، محاولاً اختراق المستوى المحوري عند 5,200 دولار للأونصة.
جاءت المكاسب الصعودية للذهب في ظل تصاعد المخاوف من اقتراب اندلاع صراع يشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وربما خلال الساعات أو الأيام القليلة المقبلة. الحجم الكبير للتوسع العسكري الأمريكي، إلى جانب غياب أي تقدم دبلوماسي ملموس، يعزز الانطباع بأن صراعاً شاملاً بات وشيكاً، ما يدفع الطلب على أصول الملاذ الآمن إلى الارتفاع.
ماذا حدث؟
على الصعيد الجيوسياسي، وضع التهديد المتزايد بحرب واسعة النطاق مع إيران المستثمرين في حالة توتر. الحشد العسكري الأمريكي الحالي يتم على نطاق لم يُشهد منذ حرب العراق عام 2003. أفادت تقارير متعددة نشرتها وول ستريت جورنال وواشنطن بوست في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، عبّر للبيت الأبيض عن مخاوف خطيرة تتعلق بالخسائر المحتملة وخطر استنزاف الذخائر الحيوية. تعكس هذه الاستعدادات أن الأمر لم يعد مجرد أداة ضغط دبلوماسي، بل تحول فعلي نحو حرب شاملة.
يقع مسرح هذا الصراع بمحاذاة مضيق هرمز، وهو خانق عالمي يمر عبره أكثر من 20% من نفط العالم. يتعين على الأسواق الاستعداد لتداعيات متعددة على سلاسل الإمداد العالمية. تشكل هذه المخاوف أحد العوامل الرئيسية التي تغذي العلاوة الجيوسياسية للذهب.
يتضمن السيناريو الأفضل اضطرابات محدودة وقابلة للاحتواء في إمدادات الطاقة، بينما يتمثل السيناريو الأسوأ في حصار كامل ومطول للمضيق، إلى جانب ضربات تستهدف البنية التحتية الإقليمية للطاقة.
يمثل اليوم الجولة الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. في ظل غياب أي مؤشرات على اختراق وشيك، قد نكون على بعد ساعات فقط من اندلاع الحرب، والتي قد تشتعل في أي وقت بين مساء اليوم ونهاية عطلة نهاية الأسبوع.
إلى جانب هذه المخاوف، تضيف عودة حالة عدم اليقين المرتبطة بالرسوم الجمركية زخماً إضافياً لموجة صعود الذهب. تشير وول ستريت جورنال إلى أن إدارة ترامب تتجه إلى فرض رسوم جديدة بموجب المادة 232 المتعلقة بالأمن القومي، بهدف الالتفاف على حكم حديث للمحكمة العليا أبطل العديد من الرسوم المفروضة خلال الولاية الثانية. تستهدف هذه الرسوم المقترحة ست صناعات حيوية، من بينها البطاريات واسعة النطاق، والمواد الكيميائية الصناعية، ومعدات شبكات الكهرباء، بينما تدرس الإدارة في الوقت ذاته تسريع التحقيقات الجارية في قطاعي أشباه الموصلات والأدوية.
يهدف هذا التحول إلى تعويض الإيرادات المفقودة، ويتضمن إعادة هيكلة فنية لرسوم الصلب والألمنيوم. من خلال تطبيق الرسوم على القيمة الكاملة للمنتج بدلاً من الاكتفاء بمكوناته الخام، قد تفرض الإدارة تكاليف أعلى بكثير على الشركات. تشير العديد من الاستطلاعات إلى أن مثل هذه الصدمات التجارية تُضعف النمو والتوظيف وتوظيف رؤوس الأموال، وهو ما يمكن أن يدعم أيضاً تعافي الذهب.
تشير التدفقات الضخمة إلى الصناديق المتداولة للذهب المادي خلال هذا الأسبوع إلى تعافٍ قوي في سوق الذهب. سجل صندوق SPDR Gold Shares (GLD) تدفقات داخلة تجاوزت 3.1 مليار دولار خلال الجلسات الثلاث الماضية من هذا الأسبوع، وهو أسرع وتيرة منذ أكتوبر من العام الماضي.
ما التالي؟
يبقى خطر تعطل إمدادات الطاقة هو العامل الرئيسي الذي يقود الأسواق والعلاوات الجيوسياسية في الوقت الراهن، وهو المتغير الأساسي الذي يجب تقييمه في كل مرحلة.
بالنظر إلى المستقبل، يتمثل السيناريو الأول فيما يسعى دونالد ترامب إلى تحقيقه: حرب سريعة تُنجز أهدافها خلال أسابيع قليلة أو تجبر إيران على قبول الشروط الأمريكية–الإسرائيلية مع تكاليف جانبية محدودة على المنطقة أو العالم. في هذه الحالة، قد تتراجع العلاوة الجيوسياسية سريعاً، ما يجعل موجة صعود الذهب هشّة.
يتضمن السيناريو الثاني قطع صادرات الطاقة الإيرانية بالكامل، إما عبر استهداف منشآتها النفطية أو من خلال وسائل أخرى تندرج ضمن القوة القاهرة. قد يؤدي ذلك إلى ارتفاعات محدودة وقصيرة الأجل في أسعار النفط والذهب، يمكن أن تنعكس لاحقاً مع قيام مصدّري النفط الآخرين بسد فجوات الإمداد وإعادة توازن التأثيرات الاقتصادية العالمية.
أما السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، فيتمثل في استهداف إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط، وتحديداً عبر مضيق هرمز. قد تلجأ إيران إلى هذه الخطوة للضغط على حلفاء الولايات المتحدة من أجل وقف حرب ستفرض كلفة هائلة على الاقتصادات العالمية وقد تعيد إشعال التضخم المدفوع بالطاقة. قد تستهدف إيران أيضاً منشآت نفطية إقليمية أخرى لتحقيق هذا الهدف.
قد يؤدي ذلك إلى قفزة حادة في أسعار الذهب والنفط، وستعتمد مدة هذه القفزة على طول فترة تعطل سلاسل إمداد الطاقة. إذا أغلقت إيران المضيق ونجت من الموجات الأولى للضربات الجوية، فقد يستمر الإغلاق لأسابيع إلى أن يتم التوصل إلى حل دبلوماسي. إذا لم تصمد الدفاعات الإيرانية، فقد يقتصر التعطل على فترة قصيرة جداً. يتمثل السيناريو الأسوأ على الإطلاق في حدوث تسرب نفطي ضخم، أو حتى تلوث إشعاعي في البحر، ما قد يعطل الملاحة لأسابيع أو أشهر.
في المقابل، أفادت رويترز أيضاً بأن السعودية تسرّع وتيرة صادرات النفط تحسباً للتصعيد، ما قد يجعل اضطرابات إمدادات الطاقة أقل حدة، ويؤدي إلى إعادة توازن أسرع إذا كان هذا السيناريو محدود الأمد والنطاق.
يمكن تصور سيناريو أكثر تطرفاً ناتج عن سوء تقدير أو خسائر غير متوقعة، مثل تعطيل حاملة طائرات أمريكية أو أكثر. سيمثل ذلك ضربة مهينة للولايات المتحدة ولترامب شخصياً. في مثل هذا الوضع عالي المخاطر، قد يصبح التصعيد النووي احتمالاً قائماً.
في ظل تعدد هذه السيناريوهات المحتملة، قد يكون سوق السلع عرضة لارتفاع حاد في التقلبات، مع قابلية تغير المشهد بشكل جذري خلال ساعات قليلة.