في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحروب وأسعار النفط والتضخم، تشهد الولايات المتحدة تحوّلاً اقتصادياً داخلياً بالغ الأهمية، قد يعيد رسم الخريطة المالية والسياسية للبلاد خلال السنوات المقبلة. لم تعد الهجرة داخل أميركا مرتبطة فقط بالبحث عن وظيفة أو مناخ أفضل، بل أصبحت “هجرة ثروات” كاملة من ولايات إلى أخرى.
الخريطة الجديدة الصادرة حول حركة الثروة بين الولايات الأميركية خلال عام 2023 تكشف بوضوح أن الأموال والأثرياء والشركات يغادرون الولايات ذات الضرائب المرتفعة وتكاليف المعيشة الخانقة، ويتجهون نحو ولايات أقل ضرائب وأكثر مرونة اقتصادياً، وعلى رأسها فلوريدا وتكساس.
فلوريدا وحدها سجلت تدفقاً صافياً للثروة بلغ 21 مليار دولار، وهو رقم ضخم يفوق مجموع ما جذبته الولايات الخمس التالية مجتمعة. أما تكساس فجذبت نحو 6 مليارات دولار، بينما حققت ولايات جنوبية أخرى مثل نورث كارولاينا وساوث كارولاينا وتينيسي مكاسب واضحة أيضاً.
في المقابل، تبدو الصورة قاتمة في ولايات كانت تُعتبر لعقود قلب القوة الاقتصادية الأميركية. كاليفورنيا خسرت نحو 12 مليار دولار من الثروة الصافية، فيما خسرت نيويورك 10 مليارات دولار، وإلينوي 6 مليارات، ونيوجيرسي 3 مليارات.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد انتقال أفراد، بل انتقال رؤوس أموال واستثمارات وشركات وأصحاب دخول مرتفعة، ما يعني أن الولايات الخاسرة لا تفقد سكاناً فقط، بل تفقد دافعي ضرائب وأصحاب أعمال واستثمارات طويلة الأمد.
التساؤل يطرح نفسه، لماذا يحدث ذلك؟ السبب الأول واضح، الضرائب وتكاليف الحياة. ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك أصبحت بالنسبة لكثير من الأميركيين نموذجاً للاقتصاد المرتفع التكلفة، من أسعار العقارات والإيجارات إلى الضرائب المحلية والوقود والتأمين. وفي مرحلة ما بعد كورونا، ومع توسع العمل عن بُعد، اكتشف كثير من أصحاب الدخل المرتفع أنهم لم يعودوا مضطرين للبقاء في مدن باهظة الثمن مثل نيويورك أو سان فرانسيسكو من أجل إدارة أعمالهم أو استثماراتهم.
أما فلوريدا، فقد تحولت إلى الوجهة المثالية للأثرياء والمتقاعدين ورجال الأعمال، ليس فقط بسبب الطقس، بل بسبب غياب ضريبة الدخل على الأفراد، وانخفاض الضرائب مقارنة بولايات أخرى، إضافة إلى بيئة تُعتبر أكثر دعماً للأعمال والاستثمارات.
ولذلك لم يعد انتقال الأميركيين إلى فلوريدا مجرد “هجرة داخلية”، بل أصبح أشبه بإعادة تموضع اقتصادي ضخم داخل الولايات المتحدة نفسها.
لخريطة تكشف انقساماً اقتصادياً متزايداً بين نموذجين داخل أميركا: الأول، تقوده ولايات ديمقراطية كبرى تعتمد على الضرائب المرتفعة والإنفاق الحكومي الكبير والتنظيمات البيئية والاجتماعية المشددة. والثاني ، تقوده ولايات جمهورية أو محافظة نسبياً تركز على خفض الضرائب، وتقديم بيئة أكثر جذباً لرأس المال والشركات.
لكن المسألة لا تتعلق بالسياسة وحدها، بل أيضاً بنمط الحياة. فالكثير من الأميركيين باتوا يعيدون تقييم أولوياتهم بعد سنوات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، وأصبح السؤال الأساسي ، أين يمكن أن أعيش بجودة أفضل وتكلفة أقل؟
التحدي الحقيقي أمام ولايات مثل فلوريدا وتكساس سيكون الحفاظ على النمو الحاصل دون الوقوع في فخ ارتفاع الأسعار نفسه الذي دفع الناس أصلاً إلى المغادرة من كاليفورنيا ونيويورك. فالنجاح الاقتصادي يجذب السكان ورؤوس الأموال، لكن إذا لم ترافقه بنية تحتية كافية وضبط لأسعار الإسكان والتأمين والخدمات، فقد تتحول الولايات الرابحة تدريجياً إلى نسخة جديدة من الولايات التي يخسرها الأميركيون اليوم.
من هنا نرى أن الاقتصاد الأميركي لا يمكن ان ينهار كما يروّج البعض، بل يعيد توزيع نفسه داخلياً. الثروة لا تختفي، لكنها تنتقل نحو الأماكن التي تمنح أصحابها شعوراً أكبر بالاستقرار المالي والحرية الاقتصادية وجودة الحياة.