تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان الغارق في الطائفية … من يوقظ هذا الشعب؟

لبنان الغارق في الطائفية  … من يوقظ هذا الشعب؟

في بلاد الاستبداد، لا تُعتبر السرقة ولا الفساد ولا نهب الأوطان أخطر الجرائم ...

الجريمة الحقيقية هناك هي أن تفكر بحرية، وأن تجرؤ على طرح السؤال المحرَّم: لماذا؟

في تلك البلاد، يتحول الوعي إلى تهمة، والحقيقة إلى مؤامرة، والكرامة إلى وقاحة لا تُغتفر. فالمستبد لا يخاف من العصابات بقدر خوفه من إنسان حرّ يمتلك عقلاً مستقلاً؛ لأن فكرة واحدة صادقة قد تهز نظاماً كاملاً بُني على الخوف والطاعة والتصفيق.

فالطغاة لا يريدون شعوباً واعية، بل جماهير مروّضة تحفظ الشعارات أكثر مما تحفظ حقوقها، وتجيد الهتاف أكثر من العمل، وتقدّس الزعيم أكثر مما تحترم الوطن. ولهذا يتحول التعليم إلى آلة تلقين، والإعلام إلى أبواق تمجيد، والمؤسسات إلى شبكات ولاء، أما الانتخابات فتصبح مجرد مسرحية تتغير فيها اللافتات بينما تبقى الوجوه نفسها جاثمة فوق صدور الناس.

لكن الاستبداد لا يعيش بالقمع وحده … بل بالخوف والانقسام أيضاً.

ولهذا كانت الطائفية والمذهبية دائماً من أكثر أسلحته فعالية. فحين يفشل المستبد في بناء وطن يجمع الناس، يبدأ بتقسيمهم إلى جماعات متناحرة، يزرع بينها الشك والكراهية، ويقنع كل طرف أن الخطر الحقيقي هو الطرف الآخر، بينما يظل هو المستفيد الوحيد من هذا الخراب.

وهكذا يتحول المواطن من إنسان يفكر بمستقبل بلده إلى فرد خائف يبحث فقط عن حماية طائفته، حتى لو كانت تلك الحماية سجناً كبيراً مغطى بالشعارات المقدسة. وتُدفن القضايا الحقيقية - من فقر وفساد وغياب عدالة - تحت ضجيج التحريض والانقسام.

في جمهوريات الخوف، المواطن المثالي هو الذي لا يسأل، لا يناقش، لا يعترض، ولا يحلم.

إنسان يعيش بعقل خائف ولسان مراقَب، يبتسم وهو يختنق، ويصفق وهو غاضب، ويهتف بحياة من سرق عمره لأن الصمت وحده لم يعد كافياً لحمايته.

والمأساة أن الاستبداد لا يكتفي بسرقة المال والحقوق، بل يسرق شخصية الإنسان نفسها. يجعله يشك في رأيه، ويخاف من الاختلاف، حتى يتحول مع الوقت إلى سجين يحرس سجنه بنفسه. وفي تلك الأنظمة تُقاس الوطنية بكمية التصفيق لا بحجم الإنجاز، ويصبح المنافق " حكيماً "، والجبان "عاقلاً "، أما الصادق فيُتهم بالخيانة فقط لأنه قال الحقيقة بصوت مرتفع.

والأكثر سخرية أن هذه الأنظمة قد تفشل في الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وحتى في توفير أبسط مقومات الحياة، لكنها تنجح دائماً في شيء واحد: صناعة مواطن خائف، يصفق لمن نهبه، ويشكر من أذله، ثم يغضب منك أنت لأنك تجرأت على كشف الحقيقة التي يخشى مواجهتها.

ومع مرور الزمن، لا يعود الاستبداد مجرد نظام حكم، بل يتحول إلى ثقافة كاملة تتسلل إلى البيوت والمدارس والعقول. فيكبر الناس وهم يعتقدون أن الحرية خطر، وأن الطاعة فضيلة، وأن النجاة أهم من الكرامة.

وهكذا يموت مستبد … فيولد آخر.

تتغير الأسماء والوجوه والخطب، لكن عقلية الخوف تبقى كما هي، لأن الحرية بالنسبة للطغاة ليست مجرد رأي سياسي … بل زلزال يهدد عروشهم.

ولهذا يبقى أخطر ما قد يواجهه المستبد ليس ثورة في الشارع، بل إنسان استيقظ وقرر أخيراً أن يسأل :" لماذا؟ ".