في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، يكثر الحديث عن احتمالات توسّع الصراع ليشمل دولاً أخرى في المنطقة. وبينما تنشغل التحليلات العسكرية والسياسية بقراءة موازين القوى واحتمالات التصعيد، يغيب أحياناً عن النقاش عنصر أساسي في فهم المشهد الإقليمي: طبيعة النموذج الاقتصادي والسياسي الذي قامت عليه دول مجلس التعاون الخليجي.
فدول الخليج لم تُبنَ أصلاً كدول حروب، بل كدول استقرار وتنمية. منذ سبعينيات القرن الماضي، استثمرت هذه الدول عائدات الطاقة في بناء اقتصادات حديثة تقوم على البنية التحتية المتطورة، والانفتاح على التجارة العالمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات جديدة مثل السياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. هذا المسار الاقتصادي لا يمكن أن يستمر في بيئة إقليمية مضطربة أو في ظل حروب مفتوحة.
الاقتصاد بطبيعته يبحث عن الاستقرار. رأس المال يتحرك نحو الأمان، والمستثمرون يفضّلون البيئات القابلة للتنبؤ سياسياً وأمنياً. لذلك فإن الاستراتيجية الكبرى لدول الخليج خلال العقود الأخيرة قامت على مبدأ بسيط لكنه حاسم: حماية الاستقرار الإقليمي قدر الإمكان، وتجنب الانخراط في صراعات طويلة تستنزف الموارد وتعرقل مشاريع التنمية.
من هنا نفهم أيضاً طبيعة السياسة الخارجية الخليجية في السنوات الأخيرة، والتي تقوم على تنويع الشراكات الدولية وبناء شبكة واسعة من العلاقات مع القوى الكبرى. فهذه الدول تحافظ على علاقات استراتيجية مع أميركا، وفي الوقت نفسه توسّع شراكاتها الاقتصادية مع الصين، وتحافظ على قنوات تواصل مع روسيا، وتعزز علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الهند. الهدف من هذه المقاربة ليس فقط تحقيق مصالح اقتصادية، بل أيضاً خلق توازنات دولية تقلّل من احتمالات انفجار المنطقة في حروب واسعة.
أي انخراط مباشر لدول الخليج في حرب إقليمية كبرى لن يكون مجرد قرار عسكري. بل سيكون قراراً له تداعيات اقتصادية عميقة. الحرب تعني اضطراب أسواق الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الأمن والدفاع، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وربما تأجيل أو تعطيل المشاريع التنموية الكبرى التي أصبحت جزءاً أساسياً من رؤية هذه الدول لمستقبلها الاقتصادي.
لكن انعكاسات مثل هذا السيناريو لا تتوقف عند حدود الخليج. فاقتصادات المنطقة مترابطة بدرجات متفاوتة، وأي صدمة كبيرة في منطقة الخليج ستنعكس حتماً على الدول العربية الأخرى، خصوصاً تلك التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية حادة. هنا تحديداً تبرز أهمية هذا الموضوع بالنسبة للبنان.
لبنان اليوم يقف على حافة واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث. فالنظام المالي انهار عملياً، والدولة تعاني من عجز مزمن، والبنية التحتية تآكلت بفعل سنوات من الإهمال والأزمات المتراكمة. أي عملية إنقاذ اقتصادي حقيقية للبنان ستحتاج في المستقبل إلى تمويل خارجي كبير، وإلى برنامج إصلاحي تدعمه المؤسسات المالية الدولية.
وفي هذا السياق، غالباً ما يشير المجتمع الدولي إلى دور المؤسسات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في قيادة برامج الإصلاح والتمويل. لكن التجربة الدولية تظهر أن هذه البرامج نادراً ما تنجح من دون مساهمة مالية موازية من الدول المانحة، وفي مقدمتها الدول الخليجية.
فالصناديق السيادية الخليجية، بما تملكه من موارد مالية ضخمة، لعبت تاريخياً دوراً مهماً في دعم اقتصادات المنطقة في أوقات الأزمات، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو عبر المساهمة في برامج إعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي. وفي الحالة اللبنانية، كثيراً ما يُنظر إلى دول الخليج كجزء أساسي من أي منظومة تمويل محتملة لمرحلة التعافي.
لكن هذا الدور يفترض شرطاً أساسياً: أن تكون هذه الدول في وضع اقتصادي مستقر يسمح لها بتوجيه جزء من مواردها نحو دعم اقتصادات أخرى. أما إذا دخلت المنطقة في حرب واسعة تستنزف الموارد الخليجية وتفرض عليها أولويات أمنية وعسكرية مكلفة، فإن قدرتها على لعب دور داعم في إعادة إعمار لبنان ستتراجع بشكل كبير.
بعبارة أخرى، استقرار الخليج ليس فقط مصلحة خليجية، بل هو أيضاً مصلحة لبنانية مباشرة. فلبنان، الذي يمر اليوم بمرحلة انهيار اقتصادي غير مسبوق، يحتاج في المستقبل إلى بيئة إقليمية مستقرة تسمح بتدفق الاستثمارات والمساعدات وبرامج إعادة الإعمار. أي انفجار إقليمي كبير قد يحرم لبنان من أحد أهم مصادر الدعم المحتملة في مرحلة ما بعد الأزمة.
من هنا، يصبح من الضروري أن يدرك اللبنانيون أن مستقبل اقتصادهم لا يرتبط فقط بإصلاحاتهم الداخلية، مهما كانت ضرورية، بل أيضاً بموقع لبنان في المعادلة الإقليمية الأوسع. لبنان الذي يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة يبتعد تلقائياً عن دوائر الاستثمار والدعم الدولي. أما لبنان الذي ينجح في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني، فيمكن أن يعيد بناء علاقاته مع محيطه العربي ويستفيد من فرص إعادة الإعمار والنمو.
في النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تبني اقتصادها في ظل الحروب الدائمة. ودول الخليج فهمت هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، فاختارت الاستثمار في التنمية والاستقرار. أما لبنان، الذي أنهكته الأزمات والصراعات، فقد يكون من مصلحته اليوم أن يعيد النظر في موقعه في هذه المعادلة الإقليمية، وأن يدرك أن استقرار الخليج قد يكون أحد الشروط الضر#ورية لفتح نافذة أمل أمام اقتصاده المنهك.