تخطي إلى المحتوى
تحليل

بين خوارزميات الذكاء ونيران الحروب … هل تستعد أميركا لصدمة مزدوجة؟

بين خوارزميات الذكاء ونيران الحروب … هل تستعد أميركا لصدمة مزدوجة؟

تتحول المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في الولايات المتحدة من نقاش نظري إلى محاولة جدية لوضع سياسات استباقية قبل وقوع الصدمة. فالتاريخ الاقتصادي الأمريكي يقدّم دروساً واضحة: التحولات الكبرى في سوق العمل — مثل صدمة العولمة وصعود الصين — لم تكن مجرد أحداث اقتصادية، بل لحظات أعادت تشكيل السياسة والمجتمع لعقود. واليوم، يخشى صناع القرار أن يكون الذكاء الاصطناعي نسخة أكثر سرعة وعمقاً من تلك الصدمات.

ما يميز هذه المرحلة أن القلق لا يأتي فقط من العمال أو النقابات، بل من داخل النظام نفسه: مستثمرون كبار، اقتصاديون، وحتى قادة شركات كبرى. تحذير لاري فينك من اتساع فجوة اللامساواة يعكس إدراكاً متزايداً بأن الذكاء الاصطناعي قد يخلق اقتصاداً بوجهين: إنتاجية وأرباح قياسية من جهة، وتآكل في الوظائف والدخل من جهة أخرى.

الفكرة التي يتم تداولها حالياً في واشنطن لا تتعلق بكيفية إدارة الأزمة بعد وقوعها، بل بكيفية منع تحولها إلى انهيار شامل. من هنا تبرز الدعوات لتصميم “شبكة أمان” مسبقاً، بحيث لا تتكرر أخطاء الماضي حين جاءت الاستجابة متأخرة ومكلفة.

ضمن هذا السياق، يُطرح ما يشبه “عقداً اجتماعياً جديداً” بين الدولة والقطاع الخاص، تتحمل فيه الشركات مسؤولية تدريب العمال وتأهيلهم لوظائف الاقتصاد الجديد، بينما توفر الحكومة الحوافز وشبكات الحماية. لكن الطرح الأكثر إثارة يتمثل في ربط الضرائب مباشرة بتأثير الشركات على العمالة: كلما ارتفعت أرباح الشركات نتيجة برامج الذكاء الاصطناعي التي تسببت بتقليص الوظائف، ارتفعت الضرائب عليها، في محاولة لإعادة توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي قبل أن تتحول إلى فجوة اجتماعية خطيرة.

إلى جانب ذلك، يجري الحديث عن “صمامات أمان اقتصادية” تُفعل تلقائياً عند تدهور سوق العمل، مثل دعم الأجور وتوسيع برامج الدخل، وصولاً إلى إجراءات أكثر جذرية في حال تفاقمت الأزمة، كتعويضات دخل مباشرة أو تخفيف أعباء الديون عن الأسر.

في خلفية هذا النقاش، لا يمكن فصل هذه المخاوف عن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بما فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فالحروب لا تستهلك فقط الموارد، بل تعيد توجيه أولويات الحكومات نحو الأمن والدفاع على حساب الاستثمار الاجتماعي. وإذا تزامن إنفاق عسكري مرتفع مع موجة بطالة ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، فإن الضغوط على المالية العامة قد تتضاعف بشكل غير مسبوق.

الأخطر أن هذه اللحظة قد تجمع بين صدمتين في آن واحد: صدمة خارجية مرتبطة بالحروب وارتفاع أسعار الطاقة، وصدمة داخلية مرتبطة بتآكل الوظائف. هذا التداخل لا يهدد فقط النمو الاقتصادي، بل يضع صناع القرار أمام معادلة معقدة: كيف يمكن تمويل الأمن القومي في الخارج، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في الداخل في الوقت نفسه؟

رغم كل هذه الطروحات، يبقى التحدي الأكبر هو عدم اليقين. فلا أحد يعرف على وجه الدقة متى أو كيف سيضرب الذكاء الاصطناعي سوق العمل، ولا مدى عمق تأثيره. لكن ما يبدو واضحاً هو أن الانتظار لم يعد خياراً مريحاً، وأن الاستعداد المسبق قد يكون الفارق بين أزمة يمكن احتواؤها، وأخرى تعيد رسم المشهد الاقتصادي والسياسي بالكامل.