يشهد زوج USD/JPY واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات قرب مستويات 156.87، في ظل تصاعد المخاوف من تدخل السلطات اليابانية المباشر في سوق الصرف لمحاولة احتواء ضعف الين المتسارع أمام الدولار الأميركي. وبرأيي، فإن التحركات الأخيرة التي شهدها الزوج لم تكن مجرد تصحيحات فنية عابرة، بل حملت في طياتها رسائل سياسية ونقدية واضحة من طوكيو إلى الأسواق العالمية مفادها أن مستويات الضعف الحالية للين لم تعد مقبولة اقتصاديًا ولا سياسيًا.
والتحركات الحادة والسريعة التي حدثت قرب مناطق 158 تؤكد أن السلطات اليابانية أصبحت أكثر حساسية تجاه تسارع وتيرة هبوط العملة، خصوصًا مع استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع تكاليف الواردات والطاقة. لذلك أعتقد أن الأسواق باتت تتعامل مع منطقة 158 باعتبارها "خط الدفاع الجديد" بعد أن كانت مستويات 160 تمثل سابقًا الحد النفسي والسياسي الأهم.
ومن وجهة نظري، فإن المشكلة الأساسية التي تواجه اليابان لا تكمن فقط في ضعف الين، وإنما في محدودية الأدوات القادرة على تغيير الاتجاه الهيكلي للزوج على المدى المتوسط والطويل. فالتدخل المباشر في سوق العملات يمكنه إبطاء وتيرة الصعود أو خلق موجات هبوط مؤقتة، لكنه لا يستطيع بمفرده عكس الاتجاه العام طالما بقي الفارق الواسع في أسعار الفائدة والعوائد بين الولايات المتحدة واليابان قائمًا.
والاحتياطي الفيدرالي الأميركي لا يزال يحافظ على سياسة نقدية متشددة نسبيًا مقارنة ببنك اليابان، وعوائد سندات الخزانة الأمريكية ما زالت تمنح الدولار أفضلية واضحة في جذب التدفقات الاستثمارية العالمية. ولهذا أرى أن أي تدخل ياباني غير مدعوم بتحول نقدي حقيقي من جانب بنك اليابان سيظل تأثيره محدودًا وزمنيًا فقط.
وفي تقديري، تدرك السلطات اليابانية جيدًا أن الأسواق أصبحت تختبر مدى جدية وزارة المالية وبنك اليابان في الدفاع عن العملة. وهذا ما يفسر الارتفاع الملحوظ في وتيرة التصريحات الرسمية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب التحركات السعرية المفاجئة التي تحمل بصمات التدخل المباشر.
لكن رغم ذلك، أعتقد أن طوكيو لا تسعى بالضرورة إلى تغيير الاتجاه الصاعد للدولار/الين بالكامل، بل تحاول منع السوق من التحرك بوتيرة فوضوية أو مضاربية مبالغ فيها. اليابان تاريخيًا لا تعارض ضعف الين بشكل مطلق، لأن العملة الضعيفة تمنح الشركات التصديرية ميزة تنافسية مهمة، لكنها في المقابل تخشى أن يتحول الانخفاض السريع إلى عبء اقتصادي يضغط على الاستهلاك المحلي ويرفع فاتورة الاستيراد بشكل يفوق قدرة الاقتصاد على التحمل.
كما أرى أن أسعار النفط والعوائد الأميركية ستبقى العامل الحاسم في تحديد المسار المقبل للزوج أكثر من التدخلات المباشرة نفسها. ففي حال استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، فإن الضغوط على الميزان التجاري الياباني ستتزايد، ما يعني استمرار الطلب الهيكلي على الدولار داخل الاقتصاد الياباني. كذلك، فإن أي صعود إضافي في عوائد السندات الأميركية سيعيد تغذية موجات شراء الدولار مقابل الين حتى لو نجحت طوكيو مؤقتًا في دفع الزوج إلى الهبوط. ولهذا أعتقد أن السيناريو الأكثر واقعية خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار التقلبات الحادة ضمن اتجاه صاعد متوسط الأجل، مع تدخلات متكررة كلما اقترب الزوج من مناطق تعتبرها السلطات اليابانية خطيرة سياسيًا أو اقتصاديًا.
وبرأيي، فإن الأسواق قد تبالغ أحيانًا في تقدير قدرة بنك اليابان على تنفيذ دورة تشديد نقدي قوية وسريعة. وصحيح أن احتمالات رفع الفائدة اليابانية أصبحت أعلى مقارنة بالسنوات الماضية، لكن الاقتصاد الياباني لا يزال هشًا نسبيًا ولا يحتمل صدمة نقدية عنيفة كتلك التي شهدتها الاقتصادات الغربية بعد موجات التضخم الأخيرة. لذلك أتوقع أن يبقى بنك اليابان شديد الحذر في خطواته المقبلة، وهو ما يعني أن الفجوة في العوائد ستظل داعمة للدولار لفترة أطول مما يتوقعه البعض. وحتى إذا تم رفع الفائدة تدريجيًا، فإن ذلك قد لا يكون كافيًا وحده لإحداث انعكاس هيكلي هابط ومستدام لزوج الدولار/الين.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الأسواق المالية بطبيعتها تتفاعل بقوة مع عامل المفاجأة، وهذا ما يمنح التدخل الياباني تأثيرًا نفسيًا كبيرًا حتى وإن كان تأثيره الأساسي محدودًا. فعندما تتدخل السلطات بشكل مفاجئ وبأحجام ضخمة، فإن المضاربين يصبحون أكثر حذرًا في بناء مراكز شراء جديدة قرب القمم، ما يؤدي إلى زيادة التذبذب وتراجع الزخم الصاعد مؤقتًا. وأعتقد أن هذا بالضبط ما تسعى إليه طوكيو حاليًا؛ أي إعادة ضبط سلوك السوق وليس بالضرورة فرض اتجاه هبوطي دائم. لذلك أتوقع أن تبقى التحركات المستقبلية للزوج مرتبطة بشكل كبير بمدى استعداد المستثمرين لتحدي الإرادة السياسية اليابانية.
وعلى المستوى الاستراتيجي، أرى أن الوصول إلى منطقة 155 خلال الأشهر المقبلة يبقى احتمالًا واقعيًا، خاصة إذا تزامن التدخل الياباني مع تراجع في أسعار النفط أو انخفاض تدريجي في عوائد السندات الأمريكية نتيجة تباطؤ الاقتصاد الأميركي. لكنني في الوقت نفسه لا أعتقد أن هذا الهبوط سيكون بداية اتجاه هابط طويل الأمد ما لم نشهد تحولًا جذريًا في السياسة النقدية اليابانية أو دورة تيسير واضحة من جانب الاحتياطي الفيدرالي. ولهذا فإن أي تراجعات قوية نحو 150–155 قد تتحول لاحقًا إلى مناطق إعادة تمركز شرائي للمستثمرين على المدى المتوسط.
وفي النهاية، أعتقد أن المعركة الحالية بين الدولار والين لم تعد مجرد انعكاس للفروقات الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومات والبنوك المركزية على التأثير في أسواق تتسم بسيولة هائلة وسرعة استجابة غير مسبوقة. اليابان تحاول اليوم تغيير قواعد اللعبة عبر مزيج من التدخل اللفظي والفعلي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الأسواق لن تمنحها انتصارًا دائمًا ما لم تدعم ذلك بأساس نقدي واقتصادي أكثر صلابة. لذلك أميل إلى الاعتقاد بأن المرحلة المقبلة ستشهد صراعًا مستمرًا بين قوة الدولار المدعومة بالعوائد المرتفعة، ومحاولات اليابان احتواء ضعف الين، وهو ما سيبقي زوج الدولار/الين ضمن واحدة من أكثر الأدوات المالية تقلبًا وجاذبية للمتابعة خلال عام 2026.