في خطابه بعد شهر من إعلان الحرب على ايران ، لم يترك الرئيس الاميركي دونالد ترامب مساحة للتأويل. الرجل لم يتحدث بلغة سياسية تقليدية، بل بلغة الحسم التي اعتاد عليها. أعلنها بوضوح: “لقد دمرنا إيران، عسكرياً واقتصادياً”.
ترامب قدّم صورة انتصار كاملة، مستخدماً عبارات مباشرة: “بحريتهم انتهت، سلاحهم الجوي انتهى، وصواريخهم على وشك أن تنتهي”. لم تكن مجرد توصيفات، بل إعلان أن القدرات الأساسية للدولة الإيرانية تم تفكيكها خلال أسابيع، في مشهد وصفه بأنه لم يحدث “في تاريخ الحروب بهذا الشكل السريع”.
الأهم في خطابه لم يكن فقط ما تحقق، بل ما هو قادم. ترامب قالها صراحة: خلال “الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة سنضربهم بقوة شديدة، وسنعيدهم إلى العصر الحجري”. هذا التعبير لم يكن عابراً، بل يعكس استعداداً واضحاً للانتقال إلى مرحلة أكثر قسوة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
في جوهر موقفه، عاد ترامب إلى خطه الأحمر الذي لم يتغير: “لن أسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي”. وبرأيه، كل ما يجري اليوم هو نتيجة فشل السياسات السابقة، خصوصاً الاتفاق النووي الذي اعتبره “كارثة” أعطت إيران المال والوقت دون أن تغيّر سلوكها.
لكن واحدة من أكثر النقاط صراحة في الخطاب كانت حول الطاقة ومضيق هرمز. ترامب شدد بشكل مباشر: الولايات المتحدة “لا تحتاج مضيق هرمز”، ولا تعتمد عليه في وارداتها النفطية. ثم وجّه رسالة واضحة للعالم: “الدول التي تعتمد على هذا الممر يجب أن تذهب وتحميه بنفسها”.
بل ذهب أبعد من ذلك، داعياً هذه الدول إلى “التحلي بالشجاعة” والسيطرة على المضيق، مؤكداً أن الجزء الأصعب قد انتهى، وأن بإمكانهم القيام بذلك بسهولة. وأضاف أن الولايات المتحدة “ستكون مفيدة”، لكنها لن تتولى القيادة. الرسالة هنا حاسمة: من يحتاج النفط، عليه أن يتحمل مسؤولية تأمينه.
وفي موازاة ذلك، شدد ترامب على قوة أميركا الاقتصادية، قائلاً إن بلاده أصبحت “أكبر منتج للنفط والغاز في العالم”، وتنتج أكثر من روسيا والمملكة العربية السعودية معاً . هذا الطرح يهدف إلى تأكيد أن واشنطن تدخل هذه المواجهة من موقع قوة، وليس تحت ضغط.
أما على مستوى الحلفاء، فقد وجّه ترامب إشادة واضحة لدول الخليج، السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وبالطبع إسرائيل ، مؤكداً أنهم كانوا “رائعين”، وأن الولايات المتحدة “لن تسمح بأن يصيبهم أي أذى أو يفشلوا بأي شكل”. هذه ليست فقط رسالة دعم، بل تثبيت لتحالف إقليمي في قلب المواجهة.
وفي ما يتعلق بالداخل الأميركي، حاول ترامب احتواء القلق من ارتفاع أسعار الوقود، معتبراً أن السبب هو “هجمات إيران على ناقلات النفط”، وليس الحرب نفسها، في تأكيد إضافي على روايته بأن الخطر الحقيقي هو سلوك طهران.
ورغم كل هذا التصعيد، ترك باب التفاوض مفتوحاً، لكنه مشروط. قال بوضوح إن “تغيير النظام لم يكن هدفاً”، لكنه أشار إلى أن الواقع تغيّر لأن “كل القادة ماتوا”، وأن القيادة الجديدة “أكثر عقلانية”. ومع ذلك، حذّر: إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، “سنوسع الأهداف وسنضرب منشآت الكهرباء بقوة لتعيد ايران فعلياً للعصر الحجري".
اقتصادياً، حاول ترامب طمأنة الداخل الأميركي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للطاقة في العالم، وأنها لم تعد رهينة نفط الشرق الأوسط. كما ربط ارتفاع أسعار الوقود بهجمات إيران على ناقلات النفط، لا بالحرب نفسها.
الخطاب لم يخلُ من البعد الإنساني، حيث استحضر الجنود الأميركيين الذين سقطوا خلال العمليات، مؤكداً أن استكمال المهمة هو وفاء لتضحياتهم.
في المحصلة، يعكس خطاب ترامب نهجاً واضحاً يجمع بين القوة العسكرية الساحقة والاستقلال الاقتصادي والتحالفات الإقليمية، مقدّماً نفسه كرئيس استطاع خلال أسابيع تحقيق ما عجزت عنه سنوات طويلة، واضعاً إيران أمام واقع جديد عنوانه تراجع غير مسبوق ونهاية تلوح في الأفق.