تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان لا يواجه ازمة سيولة عابرة بل ازمة ملاءة عميقة

  لبنان لا يواجه ازمة سيولة  عابرة بل ازمة ملاءة عميقة

في كل دول العالم، عندما تصل الأزمات إلى مستويات تهدد الاستقرار النقدي والاقتصادي، تتحول مهمة المصارف المركزية من إدارة النمو إلى إدارة الندرة. يصبح الحفاظ على ما تبقى من احتياطات بالعملة الأجنبية أولوية مطلقة، لا ترفاً سياسياً. لبنان اليوم ليس استثناءً، بل هو النموذج الأوضح لهذه القاعدة. ما تبقى من احتياطات بالدولار ليس ملكاً آنياً يمكن توزيعه تحت ضغط الشارع، بل هو خط الدفاع الأخير لاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، من الطاقة إلى الدواء إلى الغذاء.

إن رفع سقوف السحوبات بالدولار، في ظل غياب أي تدفقات خارجية مستدامة أو إصلاحات بنيوية، لا يعني سوى تسريع استنزاف هذه الاحتياطات. هو أشبه بمحاولة إطفاء حريق كبير باستخدام ما تبقى من مياه الشرب. قد يمنح هذا القرار بعض الارتياح المؤقت، لكنه في المقابل يهدد الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي لملايين اللبنانيين على المدى القريب.

المفارقة هنا أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة الأزمة نفسها. نحن لا نعيش أزمة سيولة عابرة، بل أزمة ملاءة عميقة، حيث تتجاوز الخسائر في القطاع المالي بكثير الموارد المتاحة. في مثل هذه الحالات، لا يمكن معالجة المشكلة عبر توزيع ما تبقى من السيولة، بل عبر إعادة هيكلة شاملة تعيد ترتيب الأولويات وتحدد بوضوح من يتحمل الخسائر وكيف.

في المقابل، يبرز ملف الذهب كأحد أكثر المواضيع حساسية وإثارة للجدل. لبنان يمتلك واحداً من أكبر احتياطات الذهب في المنطقة، وهو ما يُنظر إليه كـ"خميرة" يمكن استخدامها لإطلاق مسار إنقاذي. من حيث المبدأ، التفكير باستخدام جزء من هذا الذهب ليس محرماً اقتصادياً. بل على العكس، في بعض الحالات الاستثنائية، قد يكون توظيف جزء من الأصول السيادية أمراً مشروعاً إذا تم ضمن إطار واضح وشفاف يخدم المصلحة العامة. لكن السؤال الجوهري ليس تقنياً، بل حوكمي بامتياز: هل يمكن الوثوق بمنظومة سياسية وإدارية متهمة بهدر المال العام والزبائنية، لتتولى إدارة هذا المورد الاستراتيجي؟ هنا تكمن العقدة الحقيقية. لأن أي استخدام غير منضبط للذهب، في غياب إصلاحات حقيقية وآليات رقابة صارمة، قد يحول هذا الأصل من فرصة للإنقاذ إلى محطة أخيرة في مسار الاستنزاف.

التجارب الدولية واضحة في هذا السياق. الدول التي نجحت في استخدام أصولها السيادية للخروج من الأزمات، فعلت ذلك بعد أو بالتوازي مع إصلاحات مؤسساتية عميقة، شملت تعزيز الشفافية، استقلالية القرار المالي، وإرساء قواعد صارمة للمساءلة. أما في غياب هذه الشروط، فإن ضخ الموارد، مهما كان حجمها، لا يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة وتعميق كلفتها.