تخطي إلى المحتوى
تحليل

حين تختنق المضائق تتحول الصواريخ إلى خرائط نفوذ اقتصادي

حين تختنق المضائق تتحول  الصواريخ إلى خرائط نفوذ اقتصادي

في خضم التصعيد المتكرر في الشرق الأوسط، لا يمكن قراءة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وانخراط إسرائيل في الحرب، بوصفه مجرد صراع عسكري تقليدي. فالمشهد الأوسع يكشف عن عملية إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة، حيث تتراجع أولوية السيطرة العسكرية المباشرة لصالح التحكم في الجغرافيا الاقتصادية: الممرات التجارية، سلاسل الإمداد، وعقد الربط بين القارات.

ضمن هذا التحول، تصبح المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط محورًا حاسمًا في ربط آسيا بأوروبا. هنا تتقاطع مشاريع متنافسة، من مبادرة الحزام والطريق التي تقودها الصين، إلى مشاريع بديلة مدعومة أمريكيًا مثل الممر الاقتصادي الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي، وصولًا إلى المسارات التي تعمل عليها روسيا عبر فضاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، في محاولة لفتح منافذ بديلة تربط آسيا بأوروبا بعيدًا عن مناطق النفوذ التقليدية.

في قلب هذا الصراع، تبرز الممرات البحرية كنقاط اختناق استراتيجية. يُعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث يمر جزء كبير من صادرات النفط والغاز. التهديد بإغلاقه يعكس قدرة مباشرة على التأثير في الاقتصاد العالمي. وكذلك الحال بالنسبة إلى مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويُعد بوابة أساسية نحو أوروبا. وفي حال تعطل هذه المسارات، يصبح الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح خيارًا اضطراريًا مكلفًا، ما يبرز هشاشة النظام التجاري العالمي أمام الصراعات الإقليمية.

في المقابل، تسعى روسيا إلى استثمار هذا الواقع عبر تطوير ممرات برية وبحرية بديلة ضمن فضاءها الأوراسي، تربطها بدول آسيا الوسطى ثم تمتد نحو أوروبا أو الجنوب. هذه المسارات تمنح موسكو قدرة على الالتفاف على الضغوط الغربية، وتطرح نفسها كبديل جزئي للممرات التي تمر عبر الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الخيار يبقى مرتبطًا بعوامل جغرافية ومناخية وبنية تحتية، ما يجعله مكملًا لا بديلًا كاملًا في المدى المنظور.

في هذا السياق، يمكن فهم أهداف الولايات المتحدة باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة النظام الدولي. فواشنطن تسعى إلى ضمان تدفق التجارة عبر النقاط الحيوية، ومنع أي قوة منافسة سواء الصين أو روسيا من احتكار مسارات بديلة. لذلك، فإن أي تهديد للملاحة في هرمز أو باب المندب قد يتحول إلى مبرر لتعزيز الوجود العسكري وفرض ترتيبات أمنية جديدة.

أما إسرائيل، فتنطلق من اعتبارات أمنية مباشرة، لكنها تدرك أهمية موقعها في هذه الشبكة من الممرات. فهي تسعى إلى تقليص نفوذ إيران في آسيا وتحديداً في سوريا ولبنان، وفي الوقت نفسه تثبيت موقعها كحلقة وصل محتملة في الممرات الاقتصادية الجديدة، خصوصًا تلك التي تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.

بالنسبة لدول الخليج، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن هذا التنافس يفتح فرصًا وتحديات في آن واحد. فمن جهة، يمكن لهذه الدول أن تتحول إلى مراكز لوجستية محورية في الممرات الجديدة، مستفيدة من موقعها الجغرافي واستثماراتها في البنية التحتية. ومن جهة أخرى، فإن أي تصعيد في المضائق القريبة منها، خصوصًا هرمز، يهدد مباشرة اقتصاداتها ويضعها في قلب التنافس الدولي.

هنا يظهر التأثير غير المباشر للممرات الروسية: فكلما زادت قدرة موسكو على تطوير بدائل عبر الشمال أو آسيا الوسطى، تراجعت جزئيًا أهمية بعض المسارات التقليدية في الشرق الأوسط، ما قد يدفع دول المنطقة إلى تسريع مشاريعها للحفاظ على موقعها في خريطة التجارة العالمية.

في المحصلة، يتشكل مشهد متعدد المسارات: ممرات أمريكية- إقليمية، وأخرى صينية، وثالثة روسية، تتقاطع جميعها في منطقة واحدة شديدة الحساسية. وبين تهديدات إغلاق المضائق البحرية ومحاولات بناء قنوات جافة بديلة، يصبح مستقبل التجارة العالمية رهينة التوازن بين الصراع والتعاون.

ويبقى السؤال المفتوح: هل ستنجح هذه القوى في تحويل التنافس إلى شبكة ممرات متكاملة، أم أن الصراع سيؤدي إلى تفكيك النظام التجاري إلى مسارات متنافسة، لكل منها مخاطره وحدوده؟