تخطي إلى المحتوى
تحليل

هرمز، إيران، ولبنان: عندما يصبح الاقتصاد رهينة الجغرافيا السياسية

هرمز، إيران، ولبنان: عندما يصبح  الاقتصاد رهينة الجغرافيا السياسية

ما يجري اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد توتر عسكري عابر، ولا مجرد استعراض قوة بين الولايات المتحدة وإيران. نحن أمام مشهد يعيد تذكير العالم بحقيقة غالباً ما تُنسى في فترات الهدوء: الاقتصاد العالمي ما زال رهينة الجغرافيا السياسية، والطاقة ما زالت في قلب الأمن القومي العالمي.

من هنا، لا يمكن قراءة التصعيد الحالي في الخليج فقط من زاوية عسكرية. فالسفن الحربية، والتصريحات النارية، والتهديدات المتبادلة، ليست سوى الوجه الظاهر لأزمة أعمق تتعلق بإعادة رسم موازين القوة، وفرض شروط تفاوض جديدة، وتحديد شكل النظام الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية.

إدارة ترامب تبدو وكأنها تعتمد استراتيجية التصعيد من أجل التفاوض. الرسالة الأميركية واضحة: الضغط العسكري والاقتصادي سيستمر لرفع كلفة الرفض الإيراني، لكن باب الاتفاق لم يُغلق. واشنطن لا تبدو متحمسة لحرب شاملة في الخليج بقدر ما تريد اتفاقاً جديداً بشروط أكثر صرامة، يحدّ من قدرات إيران النووية ويعيد ضبط نفوذها الإقليمي.

في المقابل، تحاول إيران تثبيت معادلة مختلفة: لا يمكن تجاهلها في أمن الطاقة العالمي، ولا يمكن محاصرتها بالكامل من دون كلفة دولية باهظة. ولهذا تستخدم طهران مضيق هرمز ليس فقط كممر مائي استراتيجي، بل كورقة ضغط سياسية ونفسية واقتصادية في آن واحد. لكن خلف هذا الاشتباك السياسي، يقف الاقتصاد العالمي بكامله في منطقة القلق.

فرغم كل التحولات التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، لا يزال مضيق هرمز يمثل واحداً من أهم شرايين الطاقة في العالم. نسبة ضخمة من تجارة النفط والغاز العالمية تمر عبر هذا الممر الضيق. وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط، وكلفة الشحن، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد العالمية.

صحيح أن العالم اليوم أقل هشاشة مما كان عليه قبل عشرين عاماً. الولايات المتحدة أصبحت منتجاً ضخماً للطاقة، وبعض دول الخليج طورت خطوط أنابيب بديلة جزئياً، كما أن تباطؤ الاقتصاد العالمي خفف نسبياً من الطلب على الطاقة. لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أساسية: أي صدمة كبيرة في هرمز قد تعيد إشعال التضخم العالمي من جديد. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

العالم لم يتعافَ بالكامل بعد من آثار جائحة كورونا، ولا من تداعيات الحرب في أوكرانيا، ولا من الاضطرابات العميقة التي أصابت سلاسل التوريد العالمية. لذلك، فإن أي ارتفاع حاد ومستدام في أسعار النفط قد يدفع المصارف المركزية إلى تأخير خفض أسعار الفائدة، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المثقلة أصلاً بالديون والتباطؤ والنمو الضعيف. لكن إذا كان العالم يخشى صدمة طاقة، فإن لبنان يخشى ما هو أكثر من ذلك بكثير.

لبنان اليوم ليس اقتصاداً قادراً على امتصاص الصدمات الخارجية. هو اقتصاد يعيش على حافة الهشاشة النقدية والاجتماعية، وأي اهتزاز إقليمي يتحول داخلياً إلى أزمة مضاعفة.

ارتفاع أسعار النفط مثلاً لا يعني فقط زيادة في فاتورة الطاقة. في لبنان، يعني ذلك ارتفاعاً مباشراً في أسعار البنزين والمازوت، وكلفة المولدات الخاصة، والنقل، والغذاء، والإنتاج، وحتى الخدمات الأساسية. وفي بلد يعتمد بالكامل تقريباً على الاستيراد، يتحول التضخم العالمي بسرعة إلى تضخم محلي قاسٍ يضرب القدرة الشرائية المنهكة أصلاً.

المشكلة أن لبنان لا يملك اليوم ترف الصمود الطويل أمام صدمات الطاقة. فلا احتياطيات مريحة، ولا شبكة حماية اجتماعية فعالة، ولا اقتصاد إنتاجي قادر على امتصاص الكلفة. إلى جانب ذلك، يعتمد لبنان بصورة متزايدة على التحويلات المالية من المغتربين، وعلى السياحة، وعلى التدفقات النقدية بالدولار. أي تصعيد إقليمي واسع قد ينعكس مباشرة على حركة السفر، والتحويلات، والثقة، والاستثمار، وحتى على الموسم السياحي الذي يعوّل عليه الاقتصاد اللبناني في كل صيف كأنه جرعة أوكسيجين مؤقتة.

ثم تأتي العقدة الأكثر حساسية: العقوبات الأميركية المتجددة التي تستهدف التضييق الإقتصادي والمالي على إيران. في الحالة اللبنانية، لا تُقرأ هذه العقوبات فقط كإجراء أميركي ضد طهران، بل كعامل يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بلبنان كله في نظر النظام المالي العالمي. هنا تبدأ التداعيات الأخطر:

- تشدد إضافي من المصارف المراسلة،

- توسع ظاهرة إلغاء المخاطر (De-risking)،

- زيادة الضغوط المرتبطة بالامتثال المالي،

- وتعاظم الحذر في أي تعامل مالي مرتبط بلبنان.

وهذا بالغ الحساسية بالنسبة لدولة ما زالت تحاول الخروج من تداعيات وجودها على اللائحة الرمادية لـمجموعة العمل المالي، وفي ظل ضغوط أوروبية ودولية متزايدة مرتبطة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

في هذا السياق، يصبح الخوف الاقتصادي أحياناً أخطر من العقوبات نفسها.

الاقتصاد اللبناني اليوم هش إلى درجة أن مجرد ارتفاع منسوب القلق قد يؤدي إلى:

- تراجع الاستثمارات،

- انكماش التدفقات بالدولار،

- تشدد في التحويلات،

- وتراجع الحركة الاقتصادية حتى من دون وقوع حرب فعلية داخل لبنان.

وهنا المفارقة اللبنانية المؤلمة: لبنان لا يشارك مباشرة في رسم السياسات الدولية الكبرى، لكنه غالباً يدفع أثمان ارتداداتها بسبب هشاشته الداخلية وتشابكاته الإقليمية. ورغم كل ذلك، ما زالت هناك نافذة أمل ضيقة. إذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى اتفاق يخفف التوترات الإقليمية، فقد تنخفض الضغوط على أسعار الطاقة، وتتحسن شهية الاستثمار في المنطقة، وتعود الأولوية الدولية إلى ملفات الإنقاذ الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستقرار.

لكن لبنان لن يستفيد تلقائياً من أي تهدئة إذا بقي غارقاً في:

- غياب الإصلاحات،

- انهيار الثقة،

- الشلل المؤسسي،

- والتردد في معالجة أزمته المالية والمصرفية.

فالاستقرار الإقليمي قد يفتح نافذة فرصة، لكنه لا يبني دولة، ولا يصلح اقتصاداً، ولا يعيد الثقة المفقودة. ولهذا، يبقى السؤال الأخطر بالنسبة للبنان ليس فقط: ماذا سيحدث في مضيق هرمز؟

بل: هل لبنان مستعد أصلاً لتحمل أي صدمة جديدة في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم؟