لبنان، بحكم تركيبته المالية والسياسية والاقتصادية، ليس معزولاً عن النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، ولا عن الصراع الإقليمي المرتبط بإيران. لذلك، أي عقوبات أميركية على إيران، سواء كانت مباشرة على طهران، أو غير مباشرة على شركات صينية، أو بنوك، أو شبكات نقل وتمويل مرتبطة بها، تنتقل آثارها إلى لبنان عبر عدة قنوات مترابطة.
أولاً، القطاع المصرفي اللبناني تاريخياً مرتبط بالنظام المالي الغربي وبالدولار الأميركي. أي مصرف لبناني يحتاج إلى علاقات مراسلة مع بنوك أميركية وأوروبية حتى يتمكن من تنفيذ التحويلات الدولية، تمويل التجارة، واستقبال التحويلات من الخارج. لذلك، عندما تشتد العقوبات على إيران أو على أي جهة يُشتبه بأنها تساعدها، ترتفع تلقائياً مستويات الخوف والرقابة والـ"De-risking" داخل أروقة مجالس إدارة المصارف المراسلة تجاه لبنان، بسبب النظرة إلى لبنان كبيئة عالية المخاطر سياسياً ومالياً وأمنياً. النتيجة ليست فقط تضييقاً على جهات مرتبطة مباشرة بإيران، بل أحياناً تضييقاً واسعاً على الاقتصاد اللبناني ككل؛ وهذا ما يحصل فعلاً.
ثانياً، لبنان يتأثر لأن جزءاً من التوازن الداخلي اللبناني مرتبط عضوياً بمحور إيران الإقليمي، وخاصة عبر حزب الله. لذلك، أي ضغط مالي على إيران ينعكس تلقائياً على قدرة هذا المحور على التمويل، الدعم، الحركة اللوجستية، والإنفاق داخل لبنان. هذا يخلق توتراً سياسياً وأمنياً داخلياً، ويؤثر على ثقة المستثمرين، والسياحة، والتحويلات، وحتى على توقعات الناس تجاه الاستقرار النقدي.
ثالثاً، العقوبات لم تعد تقتصر على منع التعامل مع إيران فقط، بل أصبحت تستهدف الشبكات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات: شركات شحن، مصارف، شركات تكنولوجيا، مصافي نفط، وحتى كيانات صينية أو خليجية أو آسيوية. هنا تكمن خطورة العقوبات الثانوية. عندما تعاقب واشنطن شركة صينية مثلاً لأنها تشتري النفط الإيراني أو تسهّل تمويله، فإن الأسواق العالمية كلها تعيد حساباتها. هذا يرفع كلفة الامتثال والرقابة على أي دولة تُعتبر قريبة من البيئة الإيرانية، ومنها لبنان.
رابعاً، لبنان اقتصاد هش يعتمد بشكل كبير على التدفقات الخارجية بالدولار، والتحويلات، والاستيراد، والقطاع النقدي. أي اضطراب جيوسياسي كبير مرتبط بإيران، سواء في الخليج، مضيق هرمز، أو شبكات الطاقة، يؤدي إلى:
- ارتفاع أسعار النفط والشحن،
- ارتفاع كلفة التأمين،
- ضغوط على الدولار عالمياً،
- تراجع شهية المستثمرين للمخاطر،
- وتشدد أكبر تجاه الاقتصادات الهشة.
ولأن لبنان لا يملك احتياطيات قوية ولا اقتصاداً منتجاً قادراً على امتصاص الصدمات، فإنه يتأثر بسرعة أكبر من دول أخرى.
خامساً، هناك عامل بالغ الأهمية غالباً ما يُهمل: لبنان اليوم تحت مجهر دولي من ناحية مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، خاصة بعد إدراجه على اللائحة الرمادية لـمجموعة العمل المالي في هذه البيئة، أي تصعيد أميركي ضد إيران يجعل المؤسسات المالية العالمية أكثر حساسية تجاه لبنان، حتى لو لم يكن هناك خرق مباشر. الخوف هنا ليس فقط من العقوبات، بل من السمعة والمخاطر القانونية.
في النهاية، المشكلة الأساسية أن لبنان لم يعد يُنظر إليه فقط كاقتصاد مستقل، بل كساحة متشابكة مع الصراعات الإقليمية، ومع النظام المالي العالمي في الوقت نفسه. لذلك، عندما تستخدم الولايات المتحدة العقوبات كسلاح جيوسياسي ضد إيران، تصل ارتدادات هذا السلاح إلى لبنان حتى لو لم يكن هو الهدف المباشر.