تخطي إلى المحتوى
تحليل

التعميم 154: لماذا يبقى حجر الزاوية في أي محاولة لإنقاذ القطاع المصرفي

التعميم 154: لماذا يبقى حجر الزاوية  في أي محاولة لإنقاذ القطاع المصرفي

منذ اندلاع الأزمة المالية في لبنان، انقسمت الآراء بين من يرى أن الحل يكمن في إصدار المزيد من القوانين والتشريعات، وبين من يعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم تطبيق القوانين والتعاميم النافذة أصلاً. وفي قلب هذا الجدل يقف التعميم الأساسي رقم 154 الصادر عن مصرف لبنان في آب 2020، باعتباره ربما أهم إجراء رقابي وتنظيمي اتُخذ منذ بداية الانهيار.

لم يكن التعميم 154 مجرد إجراء تقني أو تنظيمي عابر. بل جاء ليعكس إدراكاً مبكراً لطبيعة الأزمة ولمصادر الخلل داخل القطاع المصرفي. فقد انطلق من مبدأ بسيط ولكنه بالغ الأهمية: لا يمكن إعادة بناء الثقة قبل إعادة فرض المسؤولية.

لقد طالب التعميم المصارف بتعزيز سيولتها الخارجية، وإعادة تكوين رساميلها من خلال مساهمات فعلية من المساهمين، وإعادة النظر في جودة موجوداتها، كما سعى إلى معالجة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الأزمة، وهي التحويلات التي خرجت من لبنان خلال السنوات التي سبقت الانهيار، ولا سيما تلك المرتبطة بكبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارات العليا والأشخاص المعرضين سياسياً.

أهمية التعميم لا تكمن فقط في الإجراءات التي نص عليها، بل في الفلسفة التي قام عليها. فهو لم يبدأ من فرض الخسائر على المودعين، ولم ينطلق من شطب الودائع أو تحميل المواطنين كلفة الانهيار، بل بدأ من حيث يفترض أن يبدأ أي إصلاح حقيقي: المساهمون أولاً، والإدارة أولاً، والحوكمة أولاً، والامتثال أولاً. ومن هنا تبرز مسألة الوعي.

فالوعي الحقيقي بالأزمة لا يعني ترداد المصطلحات الرنانة من قبيل "إعادة الهيكلة" أو "الأزمة النظامية" أو "الفجوة المالية". الوعي يبدأ بفهم ما إذا كانت الأدوات القانونية والتنظيمية المتاحة قد استُنفدت فعلاً قبل الانتقال إلى خيارات أكثر جذرية وخطورة.

إن أي مجتمع يفقد القدرة على التمييز بين عدم وجود القوانين وعدم تطبيقها يصبح عرضة لقبول أي حل يُطرح عليه مهما كانت كلفته. وعندما يغيب هذا الوعي، يصبح من السهل الانتقال من محاسبة المسؤولين عن الخلل إلى مطالبة الضحايا بتحمل نتائجه.

لهذا السبب، لا يمكن النظر إلى التعميم 154 باعتباره مجرد وثيقة تنظيمية صدرت في عام 2020. فهو يمثل اختباراً لمبدأ أساسي: هل كانت الدولة والسلطات الرقابية مستعدة فعلاً لاستخدام الصلاحيات التي كانت تمتلكها؟ أم أن الطريق الأسهل كان دائماً البحث عن قوانين جديدة لتجاوز فشل تطبيق القوانين القائمة؟

قد يختلف الخبراء حول مدى قدرة التعميم 154 وحده على حل الأزمة اللبنانية. لكن ما يصعب إنكاره هو أنه شكّل إطاراً متكاملاً للمساءلة والرسملة وتعزيز السيولة وتحسين الحوكمة. ولذلك يبقى السؤال مطروحاً حتى اليوم: هل استنفد لبنان فعلاً كل ما كان يوفره هذا التعميم قبل الانتقال إلى البحث عن حلول أخرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة تقنية أو مصرفية فحسب، بل هي مسألة تتعلق بثقافة دولة بأكملها. فالدول التي تطبق قوانينها تكتسب الثقة. أما الدول التي تستبدل القوانين غير المطبقة بقوانين جديدة، فإنها غالباً ما تعيد إنتاج المشكلة نفسها بأسماء مختلفة.

وفي النهاية، قد لا يكون التعميم 154 هو الحل الكامل للأزمة المصرفية اللبنانية، لكنه بالتأكيد أحد أهم المعايير التي يمكن من خلالها قياس جدية أي مشروع إصلاحي. فالإصلاح يبدأ عندما تصبح القواعد نافذة، لا عندما تصبح النصوص أكثر عدداً.