تخطي إلى المحتوى
لبنانية

لبنان على حافة الفرصة الأخيرة... فهل يهزم الانقسام ما عجزت عنه الحرب؟

لبنان على حافة الفرصة الأخيرة... فهل  يهزم الانقسام ما عجزت عنه الحرب؟

ليس السؤال اليوم متى يتوقف إطلاق النار، بل ماذا سيفعل اللبنانيون إذا توقف فعلًا ؟

فالتاريخ يعلمنا أن الحروب قد تنتهي بتوقيع اتفاق، لكن الدول لا تنهض بمجرد صمت المدافع. وحدها الإرادة الوطنية الجامعة قادرة على تحويل الهدنة إلى سلام، والسلام إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى مستقبل.

ربما كان الانقسام اللبناني حول المفاوضات بطبيعتها حالة غريبة وتعتبر من عجائب الدنيا .فكيف لبعض أبناء الوطن ان يرفضوا المفاوضات لتثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام الإنسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في وقت عجزت فيه كل دول العالم عن تأمين هذه الشروط؟. لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فإذا نجح تثبيت وقف إطلاق النار، واستُكمل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، فإن الباب سيفتح أمام مرحلة جديدة. لكن هذا الباب قد يُغلق سريعًا إذا بقي اللبنانيون أسرى انقساماتهم، يختلفون على كل شيء حتى على كيفية إنقاذ وطنهم وبشكل خاص الإختلاف على من يستطيع التفاوض بإسم لبنان وليس لمصلحة لبنان.

لقد دفعت الحروب لبنان إلى الانهيار، لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن الانقسام الداخلي غالبًا ما كان أشد فتكًا من الحرب نفسها. فالقذائف تهدم الحجر، أما الانقسامات فتهدم الدولة، وتدمر الوحدة الوطنية ، وتنسف الثقة، وتبدد الفرص.

المجتمع الدولي قد يساعد، والدول الصديقة قد تدعم، والمانحون قد يخصصون الأموال، لكن لا أحد يستطيع بناء دولة يختلف أبناؤها على أبسط قواعد إدارتها. فلا مستثمر يغامر بأمواله في بلد لا يعرف أي سياسة ستسود غدًا، ولا سائح يختار وجهة يخشى أن تتحول في أي لحظة إلى ساحة توتر.

الاقتصاد لا يعيش على البيانات السياسية، بل على الثقة. والثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والاستقرار وسيادة القانون. وكل يوم يتأخر فيه التوافق الوطني هو يوم إضافي يخسره الاقتصاد اللبناني، ويخسره الشباب الذين يغادرون، والمؤسسات التي تقفل أبوابها، ورؤوس الأموال التي تبحث عن أوطان أكثر استقرارًا.

أما السياحة، التي كانت يومًا وجه لبنان المشرق، فهي أول من يدفع ثمن الاضطراب، وأول من يستعيد عافيته عندما يسود الاستقرار. فالعالم لا ينظر إلى المناظر الطبيعية وحدها، بل إلى المشهد السياسي أيضًا. والفندق لا يمتلئ بالنوايا الحسنة، بل بالأمان والثقة.

إن تثبيت وقف إطلاق النار ليس نهاية الطريق، بل بدايته. وإذا ظن اللبنانيون أن الاتفاق وحده سيعيد الأموال والاستثمارات والسياح، فهم يكررون أخطاء الماضي. فالفرص لا تعيش طويلًا، والأسواق لا تنتظر، والاستثمارات تبحث دائمًا عن البيئات الأكثر استقرارًا.

السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستنسحب إسرائيل بالكامل؟ بل أصبح: هل يستطيع اللبنانيون أن ينسحبوا من خنادقهم السياسية؟

فالخطر الأكبر اليوم ليس فقط ما يجري على الحدود، بل ما يجري داخل الدولة نفسها. وإذا بقي الانقسام سيد الموقف، فإن أي إنجاز سياسي أو أمني سيتحول إلى فرصة ضائعة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الفرص التي أهدرها اللبنانيون بأيديهم.

لقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تنهار فقط عندما تُهزم في الحروب، بل عندما تعجز عن الانتصار على انقساماتها الداخلية.

واليوم، يقف لبنان أمام امتحان مصيري: إما أن تتحول الهدنة إلى مشروع دولة، وإما أن تبقى مجرد استراحة قصيرة بين أزمتين.

فالاقتصاد ينتظر القرار السياسي، والسياحة تنتظر الاستقرار، والمستثمر ينتظر الثقة، والشعب ينتظر دولة.

أما الوقت ... فلم يعد ينتظر أحدًا.