تخطي إلى المحتوى
لبنانية

لبنان ... "حين يتوهّم الفصيل أنّه بحجم وطن"

لبنان ... "حين يتوهّم الفصيل أنّه بحجم وطن"

ليس أخطر على الأوطان من جماعاتٍ تنسى حجمها، فتتوهم أنها بحجم الوطن. عندها يبدأ الخراب. لا بالرصاص وحده، بل بتآكل فكرة الدولة نفسها. يصبح الدستور وجهة نظر، والقانون مادةً للانتقاء، والمؤسسات أدواتٍ تُستخدم حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تعارضها. هذا هو المرض الذي ينهش البلاد.

لسنوات، بيع اللبنانيون أوهامًا على أنها حقائق، وقُدِّمت المصالح الفئوية على أنها مصالح وطنية، فيما كانت الدولة تُستنزف ببطء. وكانت النتيجة واضحة: اقتصاد ينهار، مؤسسات تضعف، وشعب يدفع الثمن كل يوم. المشكلة لم تعد خلافًا سياسيًا. المشكلة في عقليةٍ ترى نفسها فوق الدولة، وفوق الدستور، وفوق إرادة الناس. عقلية تؤمن بالمؤسسات حين تخدمها، وتهاجمها حين تعجز عن السيطرة عليها. ترفع شعارات الشراكة، لكنها لا تقبل إلا بالشراكة التي تضمن لها الغلبة. هذه ليست سياسة ... بل مشروع دائم لتفكيك الدولة.

كم مرة قيل إن السلاح لحماية الوطن، فإذا به يتحول إلى عبء على الوطن؟

وكم مرة رُفعت رايات الإنقاذ، فكانت النتيجة مزيدًا من التعطيل والانقسام والانهيار؟

لقد سقطت الأقنعة. اللبنانيون لا يريدون خطابات جديدة، بل دولة حقيقية. دولة لا تنازعها مراكز القوة، ولا تُعلَّق قراراتها على إرادة الفصائل، ولا تُختطف مؤسساتها تحت أي ذريعة.

فالأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُدار بالترهيب، ولا تُحكم بمنطق الأمر الواقع. الأوطان تُبنى بالثقة، وبالقانون، وبالاعتراف بحقيقة بسيطة: لا أحد أكبر من الدولة. واليوم، تقف البلاد أمام خيار حاسم:

إما دولة واحدة، بقرار واحد وسلطة واحدة ومرجعية واحدة. وإما استمرار السقوط في مستنقع الانقسام والعجز والارتهان.

لقد تغيّر العالم. لم يعد زمن الميليشيات والاستعراضات والشعارات الخشبية. إنه زمن المعرفة والاقتصاد والاستراتيجيات.زمن الإنتاج والإنتاجية وزمن المساهمة في صناعة المستقبل، ومن يصرّ على خوض معارك الأمس، لن يصنع إلا هزائم جديدة.

فالوطن ليس غنيمة، وليس جائزة حرب، وليس ملكًا لفئة أو حزب. الوطن وطن الجميع. ومن يضع نفسه فوق الدولة، لن يهزم الدولة في النهاية، بل سيكتشف متأخرًا أنه كان يهدم السقف الذي يحميه ويحمي الجميع. وحين تُكتب صفحات هذه المرحلة، لن يكون السؤال: من كان الأقوى؟

بل: من كان أكثر وفاءً للوطن والدولة؟