شكّل قرار المملكة العربية السعودية إعادة فتح الباب أمام الصادرات اللبنانية خطوة بالغة الأهمية بالنسبة للاقتصاد اللبناني، ليس فقط بسبب القيمة التجارية المباشرة للسوق السعودية، بل أيضاً بسبب ما يحمله القرار من دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة التبادل التجاري بحد ذاتها. فالمملكة لم تكن يوماً مجرد سوق للمنتجات اللبنانية، بل كانت على الدوام إحدى أهم البوابات التي تربط لبنان بعمقه العربي وبفرص الاستثمار والعمل والتعاون الاقتصادي الإقليمي.
وبالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين والعديد من القطاعات الإنتاجية، جاء القرار بمثابة بارقة أمل في مرحلة يمر فيها لبنان بأزمات مالية واقتصادية ومؤسساتية غير مسبوقة. إلا أن الخطأ الكبير يكمن في الاعتقاد بأن هذه الخطوة تشكل نهاية المطاف أو أنها تعبير عن ثقة مكتملة بالدولة اللبنانية. فالواقع أن ما حصل هو منح لبنان فرصة جديدة، وليس منحه شهادة حسن سلوك نهائية.
لقد أوضحت التجربة خلال السنوات الماضية أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الرغبة العربية والدولية بمساعدة لبنان، بل في غياب الثقة بقدرة مؤسساته على الوفاء بالتزاماتها. فقرار وقف استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية عام 2021 لم يكن قراراً تجارياً بحتاً، بل جاء نتيجة مخاوف أمنية ورقابية مرتبطة باستخدام الشحنات التجارية لتهريب المخدرات، وعلى رأسها الكبتاغون، إلى الأسواق الخليجية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد المطلوب من لبنان تقديم الوعود أو إصدار البيانات، بل إثبات قدرته الفعلية على ضبط حدوده ومرافقه العامة وسلاسل التصدير الخاصة به.
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية والإدارية والمالية والمصرفية. المطلوب هو بناء منظومة رقابة متكاملة تضمن سلامة حركة البضائع عبر المرافئ والمطار والمعابر البرية، وتؤكد أن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الفعلي في إدارة هذه المرافق الحيوية. كما أن المطلوب هو مواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة ومحاسبة المتورطين فيها، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الحزبية أو الطائفية.
فالثقة لا تُبنى بالخطابات، بل بالنتائج. ولا يمكن لأي دولة أن تطلب من شركائها احترام قوانينها وحدودها إذا كانت عاجزة عن فرض القانون داخل أراضيها. كما لا يمكن إقناع المستثمرين أو المستوردين أو الشركاء الدوليين بجدية الإصلاح إذا بقيت ممارسات الفساد والمحسوبيات والاقتصاد غير الشرعي قادرة على تعطيل عمل المؤسسات أو الالتفاف على القوانين.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الأمر على مكافحة تهريب المخدرات فحسب، بل يتعداه إلى الالتزام الكامل بمعايير الامتثال والحوكمة والشفافية التي أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من حركة التجارة العالمية. فالعالم لم يعد يقيس نجاح الدول بقدرتها على التصدير فقط، بل أيضاً بقدرتها على إثبات سلامة منشأ البضائع، وشفافية العمليات التجارية، وفعالية الأنظمة الرقابية، واستقلالية المؤسسات المكلفة بالتنفيذ والمحاسبة.
ولعل أهم ما يجب أن تدركه الدولة اللبنانية أن المملكة العربية السعودية ليست الجهة الوحيدة التي تراقب أداء لبنان. فكل دولة عربية أو أجنبية تفكر في الاستثمار أو التعاون أو المساعدة تنظر اليوم إلى المؤشرات نفسها: هل تغير السلوك العام؟ هل أصبحت القوانين تُطبّق فعلاً؟ هل باتت المؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة ومستقرة؟ وهل تراجعت قدرة المجموعات المسلحة وشبكات المصالح غير الشرعية على التأثير في القرارات الاقتصادية والأمنية للدولة؟
إن استعادة الثقة لا تتحقق عبر قرار واحد أو إجراء مؤقت، بل من خلال مسار طويل من الالتزام والانضباط المؤسسي. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية اختباراً حقيقياً للدولة اللبنانية. فإما أن تثبت قدرتها على حماية هذه الفرصة والبناء عليها، وإما أن تضيعها كما ضاعت فرص كثيرة في السابق بسبب سوء الإدارة وغياب المحاسبة وتضارب الولاءات.
والحقيقة أن ما ينتظره لبنان من المملكة أو من غيرها من الدول الشقيقة والصديقة لا يختلف كثيراً عما تنتظره هذه الدول من لبنان نفسه. الجميع يريد رؤية دولة قادرة على إدارة شؤونها، وضبط حدودها، وتطبيق قوانينها، وحماية مصالحها الوطنية. الجميع يريد أفعالاً لا أقوالاً، ونتائج لا وعوداً.
فإذا نجح لبنان في تقديم هذا النموذج، لن يكون استئناف التصدير إلى المملكة سوى بداية لمسار أوسع من الانفتاح الاقتصادي واستعادة الثقة وجذب الاستثمارات والاندماج في المشاريع الإقليمية الكبرى التي يجري التحضير لها في المنطقة. أما إذا اكتفى بالاحتفال بالفرصة من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى خسارتها أساساً، فإنه سيجد نفسه أمام خيبة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الفرص المهدورة.
إن الاحترام والمصداقية لا يُمنحان بالمجاملة، بل يُكتسبان بالأداء. وما تحتاجه الدولة اللبنانية اليوم ليس مزيداً من الكلام عن الإصلاح، بل إثبات قدرتها على ممارسته. فهذه الفرصة قد تكون من الفرص القليلة المتبقية أمام لبنان لاستعادة موقعه الطبيعي في محيطه العربي والانضمام إلى دينامية النمو والتحول التي تشهدها المنطقة قبل فوات الأوان.