تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان بعد اجتماع باريس: الامتحان ليس للمصارف بل للدولة

لبنان بعد اجتماع باريس:  الامتحان ليس للمصارف بل للدولة

عندما اجتمعت مجموعة العمل المالي الدولية في باريس بين 15 و19 حزيران 2026، لم يكن لبنان مطروحاً على جدول الأعمال كدولة مرشحة للخروج من اللائحة الرمادية، ولم يكن متوقعاً أساساً أن يحصل أي تغيير جوهري في وضعه. ومع ذلك، فإن نتائج الاجتماع حملت رسالة مهمة للبنان ربما تفوق بأهميتها أي قرار مباشر يتعلق به. فالاجتماع انتهى بإضافة دول جديدة إلى اللائحة الرمادية، فيما استمرت المجموعة في التشديد على أن الإدراج لا يرتبط بوجود قوانين أو تعاميم أو وعود بالإصلاح، بل بقدرة الدول على إثبات فعالية التنفيذ وتحقيق نتائج قابلة للقياس في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب واسترداد الأصول وملاحقة الجرائم المالية. هذا التوجه يؤكد مرة جديدة أن المشكلة الأساسية لم تعد تشريعية بقدر ما أصبحت مؤسساتية وتنفيذية.

من هنا، فإن السؤال الذي يواجه لبنان اليوم ليس ما إذا كان سيبقى على اللائحة الرمادية حتى نهاية عام 2026، لأن ذلك أصبح شبه محسوم بحكم خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي، بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على إثبات أنها تملك الإرادة والقدرة على تنفيذ ما تعهدت به.

منذ إدراج لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024، ساد انطباع لدى قسم من الرأي العام بأن القرار يشكل إدانة مباشرة للقطاع المصرفي اللبناني. غير أن قراءة متأنية لملاحظات مجموعة العمل المالي تقود إلى استنتاج مختلف تماماً.

فالقرار لم يصدر لأن المصارف اللبنانية فشلت حصراً في تطبيق قواعد الامتثال أو إجراءات "اعرف عميلك" أو الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، بل لأن الدولة اللبنانية ككل أخفقت في إثبات فعالية منظومتها الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد ركزت الملاحظات الدولية على ضعف الملاحقات القضائية، ومحدودية استرداد الأصول، والقصور في تحديد المستفيدين الحقيقيين من الكيانات القانونية، واتساع الاقتصاد النقدي، وضعف الرقابة على قطاعات واسعة تعمل خارج النظام المالي الرسمي. وهنا تكمن المفارقة.

ففي الوقت الذي تخضع فيه المصارف اللبنانية لرقابة مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة، وتلتزم بمعايير الامتثال الدولية بدرجات متفاوتة، توسعت أجزاء كبيرة من الاقتصاد اللبناني خارج القطاع المصرفي بالكامل. فقد أدى الانهيار المالي إلى نشوء اقتصاد نقدي ضخم بات يستوعب مليارات الدولارات المتداولة خارج أي رقابة مصرفية فعلية، ما جعل جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي خارج نطاق التتبع المالي التقليدي.

لذلك فإن اختزال قضية اللائحة الرمادية باعتبارها مشكلة مصرفية فقط يبتعد عن جوهر ما حاولت مجموعة العمل المالي قوله. فالمشكلة الأساسية التي رصدتها المجموعة تتعلق بفعالية الدولة نفسها.

وفي هذا السياق يبرز السؤال الأكثر أهمية: من هو "لبنان" الذي تعهد بتنفيذ خطة العمل؟

في الأدبيات الرسمية لمجموعة العمل المالي، يبدو لبنان وكأنه دولة موحدة تمتلك قراراً سياسياً واحداً ومؤسسات متجانسة تعمل ضمن رؤية موحدة. لكن الواقع اللبناني مختلف تماماً. فتنفيذ خطة العمل يتطلب تعاون السلطة التشريعية لإقرار القوانين المطلوبة، والسلطة القضائية لملاحقة الجرائم المالية، والأجهزة الرقابية والأمنية لكشف المخالفات، ومصرف لبنان لممارسة صلاحياته التنظيمية، والقطاع الخاص للالتزام بالمعايير المطلوبة. إلا أن هذه المؤسسات نفسها تعاني من ضعف الثقة والموارد والانقسامات السياسية وتضارب المصالح. وهنا تكمن العقدة الأساسية.

فمجموعة العمل المالي لم تطلب من لبنان كتابة قوانين جديدة فحسب، بل طلبت منه إثبات فعالية هذه القوانين عملياً. وهي لا تقيس جودة النصوص القانونية بقدر ما تقيس نتائج التحقيقات المالية، وعدد الملاحقات القضائية، ومستوى استرداد الأصول، وفعالية الرقابة على القطاعات غير المالية، ومدى القدرة على الحد من الاقتصاد الموازي.

إن الرسالة الضمنية لاجتماع باريس الأخير كانت واضحة: العالم لم يعد يمنح الدول علامات على حسن النوايا. ما يهم هو النتائج.

لكن ثمة بعداً آخر لا يقل أهمية عن نتائج اجتماع باريس نفسه. فوجود عدد من دول المشرق العربي، وفي مقدمتها سوريا والعراق واليمن، على اللائحة الرمادية يضع لبنان أمام تحدٍ إضافي غالباً ما يغيب عن النقاش المحلي.

فمجموعة العمل المالي لا تنظر إلى الدول بمعزل عن بيئاتها الجغرافية والاقتصادية. وكلما ازدادت المخاطر المرتبطة بمنطقة معينة، ازدادت الحاجة إلى إثبات قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة هذه المخاطر واحتوائها. ومن هنا، فإن خروج لبنان من اللائحة الرمادية لن يُقاس فقط بمقارنة أدائه الحالي بأدائه السابق، بل أيضاً بمدى قدرته على إظهار فعالية مؤسساتية تتجاوز ما هو قائم في البيئة الإقليمية المحيطة به.

وهذا يعني أن نجاح لبنان لن يُقاس بعدد القوانين التي يقرها أو التعاميم التي يصدرها، بل بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة في مجالات التحقيقات المالية، والملاحقات القضائية، واسترداد الأصول، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات والكيانات القانونية، والحد من الاقتصاد النقدي الذي توسع بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.

بعبارة أخرى، فإن الامتحان الحقيقي لا يتعلق بإثبات أن لبنان أفضل مما كان عليه قبل إدراجه على اللائحة الرمادية، بل بإثبات أنه قادر على بناء مستوى من الحوكمة والشفافية والفعالية المؤسسية يجعله مختلفاً عن محيطه الإقليمي عالي المخاطر. وهذه هي الرسالة الضمنية التي حملها اجتماع باريس الأخير، والتي سترافق لبنان حتى موعد التقييم النهائي المرتقب في نهاية عام 2026.

غير أن التحدي اللبناني لا يقتصر على معالجة نقاط الضعف الداخلية فحسب، بل يتأثر أيضاً بالبيئة الإقليمية التي يتحرك ضمنها. ومن هذه الزاوية، يصبح اجتماع باريس بمثابة إنذار إضافي للبنان. فبينما نجحت بعض الدول خلال السنوات الماضية في الخروج من اللائحة الرمادية بعد إثبات تقدم ملموس، شهدت الاجتماعات الأخيرة للمجموعة إضافة دول جديدة إلى قائمة المراقبة المعززة، ما يؤكد أن الإدراج ليس إجراءً رمزياً، وأن الخروج منه يتطلب تحولاً حقيقياً في الأداء المؤسسي وليس مجرد التزامات سياسية.

أما بالنسبة للقطاع المصرفي اللبناني، فإن مصيره بات مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. فالمصارف لا تستطيع وحدها استعادة علاقاتها المراسلة، أو جذب الاستثمارات، أو إعادة بناء الثقة المحلية والدولية إذا بقي لبنان مصنفاً كدولة عالية المخاطر من منظور الامتثال والحوكمة. وبالتالي فإن مستقبل إعادة الانتظام إلى القطاع المصرفي لم يعد مسألة مصرفية بحتة، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها.

وفي الوقت ذاته، يشكل الاقتصاد النقدي المتضخم أحد أكبر التحديات أمام لبنان. فكلما توسعت المعاملات النقدية خارج النظام المالي الرسمي، ازدادت صعوبة تتبع التدفقات المالية، وارتفعت مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتراجعت فعالية السياسات النقدية والرقابية. وبذلك يصبح الاقتصاد النقدي ليس مجرد نتيجة للأزمة، بل أحد العوامل التي تعيق الخروج منها.

في نهاية المطاف، لن يكون السؤال الذي ستطرحه مجموعة العمل المالي على لبنان في نهاية عام 2026 هو ما إذا كان قد أصدر تعاميم جديدة أو أقر قوانين إضافية. السؤال سيكون أبسط وأكثر صعوبة في آن واحد: هل نجح لبنان في تحويل التعهدات إلى نتائج؟

ذلك هو جوهر الامتحان الحقيقي. فاللائحة الرمادية ليست حكماً على المصارف اللبنانية بقدر ما هي حكم على قدرة الدولة اللبنانية على أن تتصرف كدولة. وإذا كان الانهيار المالي قد كشف هشاشة النموذج الاقتصادي، فإن امتحان مجموعة العمل المالي يكشف اليوم هشاشة الدولة نفسها. وبين هذين الاختبارين يتحدد مستقبل لبنان المالي، وموقعه داخل النظام المالي العالمي، وفرص استعادة الثقة التي يحتاجها بشدة للخروج من أزمته الممتدة.