لبنان في تموز 2026 لا يعيش حرباً ولا سلاماً، بل شيئاً بينهما لم يُخترع له اسم بعد.
اتفاق إطاري وُقّع في واشنطن، لكن الطائرات لا تزال تحلّق فوق الجنوب وبيروت. مجلس نواب أجّل استحقاقه لسنتين، ومصارف لا تزال عالقة في فجوة تتجاوز 70 مليار دولار. في هذا المشهد المتشابك، لا يمكن قراءة أي ملف بمعزل عن البقية: الأمني، السياسي، والاقتصادي كلها أوجه لأزمة واحدة. وإليكم محاولة لرسم الصورة الكاملة👇
>> المشهد الأمني. جنوب مشتعل واتفاق مثير للجدل.
الحدث الأبرز والأحدث هو أن لبنان وإسرائيل وقّعا في 26 حزيران 2026 اتفاقية إطارية عقب أربعة أيام من المفاوضات التي عُقدت في واشنطن بوساطة أمريكية. غير أن هذا الاتفاق يواجه طعوناً من كل الاتجاهات:
١. من الجانب الإسرائيلي، أكد رئيس الوزراء نتنياهو أن إسرائيل "لم تنسحب من جنوب لبنان وستبقى فيه طالما تطلّب الأمر ذلك"، فيما أعلن وزير الطاقة إيلي كوهين أن إسرائيل "لن تنسحب حتى لو طلب منها ذلك ترامب".
٢. ومن الجانب اللبناني والإقليمي، هاجم الأمين العام لحزب الله الاتفاق معتبراً أنه يمس السيادة اللبنانية ويشرعن بقاء الاحتلال، داعياً السلطات اللبنانية إلى التراجع عنه.
٣. أما على صعيد التنفيذ الميداني، يرى الخبراء أن الاتفاق لن يدخل حيز التنفيذ على الأرض، بدليل أن جيش الاحتلال يواصل الغارات والقصف ويُصدر إنذارات الإخلاء. والسيناريو المتوقع على المدى الطويل ليس هدنة ولا اتفاق سلام، بل مجرد ترتيبات أمنية.
٤. وعلى صعيد ملف السلاح، يُدار هذا الملف في 2026 على قاعدة منع الانفجار وتأجيل الاستحقاقات الكبرى، وربط أي تقدم بتفاهمات أوسع لم تنضج بعد.
>> المشهد السياسي. تشابك الملفات وضيق هامش المناورة
الملفات الأساسية تلخص ب السلاح، الجنوب، العلاقة مع سوريا، والاستحقاق الانتخابي. لم تعد قابلة للإدارة كلٌّ على حدة. أي اختلال في أحدها سينعكس مباشرة على البقية، ما يجعل هامش المناورة ضيقاً ويحدّ من فعالية سياسات التأجيل.
أما على صعيد الانتخابات، التحدي السياسي الأبرز هو الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026، إذ انشغل مجلس النواب بمناقشة قانون الانتخابات دون التوصل إلى صيغة نهائية، مما فتح الباب أمام احتمالات التأجيل لأشهر أو أطول، وما حصل هو التأجيل لمدة سنتين بإشارة واضحة على أن المكاسب السياسية دائماً تعلو على مصلحة الوطن.
وعلى صعيد المخاوف الأمنية الداخلية، تشير معطيات دبلوماسية غربية إلى توجيهات من الحرس الثوري الإيراني للتصعيد عبر التحريض على شخصيات سياسية ودينية بارزة، مع نصائح برفع مستوى اليقظة الأمنية إلى الحد الأقصى.
>> المشهد الاقتصادي والنقدي. هشاشة مزدوجة
١. الوضع النقدي: سعر صرف الليرة استقر نسبياً عند حدود 89,500 ليرة للدولار، لكن هذا الاستقرار يبقى هشاً ومرتبطاً بالتدخل النقدي والتحويلات الخارجية والدولرة الواسعة للاقتصاد. كما تستمر الأزمة المصرفية مع تقديرات لفجوة مالية تتجاوز 70 مليار دولار، فيما لا تزال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تدور حول إعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر والإصلاحات المالية.
٢. الحجم الكارثي للتراجع: معهد التمويل الدولي قدّر أن الحرب قد تؤدي إلى انكماش الناتج المحلي بين 12 و16% خلال 2026، وهي نسبة خطيرة لاقتصاد خسر أصلاً أكثر من 40% من حجمه منذ 2019.
٣. السياحة والقطاع الخدمي: بات شبه مؤكد إلغاء كل المهرجانات السياحية الأساسية في الصيف المقبل، نظراً لتداعيات الحرب والظروف المحيطة بلبنان على كل المستويات، ولعدم تمكّن إدارات المهرجانات من إجراء حجوزات وتوقيع عقود.
٤. الضغوط التضخمية: يُتوقع أن يؤثر النزوح الداخلي الواسع وتصاعد حالة عدم اليقين سلباً على الاستهلاك والاستثمار، فيما ستزيد ارتفاعات أسعار الشحن والنفط من الضغوط التضخمية، وقد يؤدي تنامي الطلب على الإنفاق الطارئ وإعادة الإعمار إلى زيادة الضغوط على الموازنة.
٥. بصيص أمل. العلاقة مع سوريا ومع المحيط العربي: في ظل رفع عقوبات قانون قيصر واعادة فتح أبواب المملكة العربية السعودية للصادرات اللبنانية، هناك فرصة للبنان لزيادة تصديره البري بنسبة 20-35% في 2026. وليست أقل أهمية حظوظ مشاركة لبنان في إعادة إعمار سوريا.
يعيش لبنان اليوم في فضاء "الاحتواء المزمن": البلد عالق بين وقف نار يمنع الانفجار الكامل، واقتصاد مستنزف يواجه تضخماً وفقراً وهجرة ودماراً واسعاً، فيما تقدّر المؤسسات الدولية أن التعافي قد يحتاج بين 7 و10 سنوات في حال توقف التصعيد وبدء الإصلاحات.
يعيش لبنان اليوم في فضاء "الاحتواء المزمن": بلد عالق بين وقف نار يمنع الانفجار الكامل، واقتصاد مستنزف يواجه تضخماً وفقراً وهجرة ودماراً واسعاً. تقدّر المؤسسات الدولية أن التعافي قد يحتاج بين 7 و10 سنوات إذا توقف التصعيد وبدأت الإصلاحات فهل نملك، كبلد وكأفراد، صبر هذا الأفق الزمني؟!