تتراجع العقود الآجلة لخام نفط غرب تكساس الوسيط، وكذلك العقود الآجلة لخام برنت في بورصة ICE، بأكثر من 1 في المئة، تالية لتراجع بلغ قرابة 2 في المئة لكلا المعيارين الرئيسين.
هشاشة الزخم الصاعد لأسعار النفط تأتي وسط ما يبدو تمسكاً من السوق بفرضية أن حرب الشرق الأوسط لن تدوم طويلاً، وذلك على الرغم من عودة التصعيد على نحو مفاجئ مع انهيار وقف إطلاق النار هذا الأسبوع.
تبادلت كل من الولايات المتحدة وإيران الهجمات منذ بداية الأسبوع بوتيرة متكررة، طالت بقاعاً متعددة من البر الإيراني ومنشآت للبنية التحتية والنقل هناك، إضافة إلى استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الإقليم. وجاء كل هذا تالياً لاستهداف سفن تجارية كانت تحاول العبور عبر المياه العُمانية.
على الرغم من أن موجة التصعيد هذه كانت الأوسع من نوعها منذ توقيع مذكرة التفاهم، التي مثّلت حينها الاختراق الدبلوماسي الأكبر من نوعه منذ اشتعال الحرب، وعلى الرغم من تصريح ترامب بأن الهدنة قد انهارت، إلا أن المتداولين يبدو أنهم يرجّحون قرب نهاية هذه الحرب. يأتي هذا على ضوء عدد من العوامل التي تعزز هذه الفرضية، منها أن الرئيس دونالد ترامب لا يسعى إلى إطالة أمد الحرب بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي سيكون فيها الديمقراطيون متربصين بالجمهوريين وبه شخصياً، وذلك في الوقت الذي لا يزال فيه سعر جالون البنزين بالقرب من 4 دولارات. أضف إلى ذلك أن إطالة أمد هذه الحرب قد تنطوي على تبعات كارثية على الاقتصاد الأميركي، وهو ما اعترف به ترامب في معرض دفاعه عن مذكرة التفاهم الموقعة. أضف إلى ذلك أننا شهدنا جملة من التقارير السابقة من الإعلام الأميركي ذاته، تتحدث عن القصور في المخزونات الدفاعية المتقدمة وعدم القدرة على تعويضها سريعاً.
في المقابل، ما قد يرجّح فرضية استمرار التصعيد، أو على الأقل عدم الاتجاه نحو تسوية دبلوماسية شاملة لهذه الحرب، هو الضغط الذي قد يتعرض له ترامب من المتشددين الذين ينادون باستمرار العمل العسكري ضد إيران، إضافة إلى الضغط من إسرائيل. فالأخيرة أيضاً على أعتاب انتخابات ستحدد شكل الحكومة الجديدة. في حين أن تحالف الليكود والتيارات اليمينية المتشددة هناك قد يخشى الدخول إلى الانتخابات من دون تحقيق نصر عسكري حاسم ضد إيران أو حتى حزب الله في لبنان، وذلك في الوقت الذي تشير فيه الاستطلاعات إلى إمكانية خسارتهم الأغلبية في الكنيست، مع تنامي شعبية التيارات اليسارية والوسطية. وقد يضغط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أجل عودة هذه الحرب عبر الجبهتين، في مسعى لتحقيق نصر حاسم يسوّقه في هذه الانتخابات المقبلة في أكتوبر أو سبتمبر. كما تلقت الولايات المتحدة مؤخراً تحذيرات من إسرائيل بشأن مخطط إيراني جديد لاغتيال الرئيس دونالد ترامب، وهو ما قد يشكل عاملاً يؤدي إلى تأجيج الحرب مجدداً، وذلك وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين.
يمكننا أيضاً أن نشهد سيناريو رمادياً يتمثل باستمرار حالة اللاحرب واللاسلام في آن واحد، وهو ما قد يمثل نوعاً من التوازن بين العوامل المتعاكسة المشار إليها أعلاه. هذا ما قد يعني أياماً من المفاوضات والحديث عن السلام، وأياماً أخرى من المناوشات. وسط هذا السيناريو، قد تنشأ تقلبات مستمرة في الاتجاهين الإيجابي والسلبي لأسعار النفط، وقد تبقى الإمدادات المتدفقة من الإقليم بعيدة عن التعافي الكامل، بما يُبقي المخزونات العالمية من الخام عند مستويات متدنية لفترة مطولة، وهذا بدوره قد يُبقي الأسعار مرتفعة نسبياً عن مستوياتها في فترة ما قبل الحرب. في حين أنه إذا جددت الصين مشترياتها من الخام الإيراني وأعادتها إلى مستويات ما قبل الحرب، التي تمثل تقريباً ضعف المستويات الحالية البالغة قرابة 6 ملايين برميل يومياً، فإن هذا قد يشكل ضغطاً هائلاً على الأسعار وقد يدفعها نحو الأعلى لفترة مطولة، حتى في ظل هذا السيناريو الرمادي.