بعث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفين وارش، برسالة مزدوجة إلى الأسواق في أول شهادة له أمام الكونغرس؛ إذ تعهد بإعادة التضخم إلى مستهدف البنك المركزي عبر «سياسة نقدية صحيحة»، مؤكداً في الوقت ذاته أن الاقتصاد الأميركي يواصل إظهار متانة لافتة، مدعوماً بطفرة غير مسبوقة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي يتوقع أن تعزز النمو والإنتاجية على المدى الطويل.
وتحظى شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي أمام الكونغرس بأهمية استثنائية، إذ تعد المناسبة الرسمية التي يعرض فيها تقييم البنك المركزي للاقتصاد الأميركي، كما تمثل فرصة للأسواق لاستخلاص إشارات بشأن المسار المستقبلي للفائدة. وتكتسب جلسة هذا الأسبوع وزناً أكبر لأنها الأولى لوارش منذ توليه رئاسة البنك المركزي في أيار، بعد أشهر من الجدل حول مدى استقلاليته عن الرئيس دونالد ترامب.
ففي شهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، التي تسبق جلسة ثانية أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ الأربعاء، رسم وارش ملامح المرحلة الجديدة للبنك المركزي الأميركي، واضعاً مكافحة التضخم واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي وإصلاح المؤسسة في صدارة أولوياته، بينما تجنب بالكامل إعطاء أي إشارة إلى قرب خفض أسعار الفائدة، رغم الضغوط المتكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال وارش في نص شهادته المعد مسبقاً: «الهدف الأول للاحتياطي الفيدرالي هو الوصول إلى السياسة النقدية الصحيحة، أو أقرب ما يكون إليها، وإذا نجحنا في ذلك - وسننجح - فإن موجة التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية ستصبح جزءاً من الماضي».
وتزامنت تصريحات وارش مع صدور بيانات أظهرت تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة خلال حزيران بأكثر من توقعات الأسواق، في تطور قد يخفف الضغوط على الأسر الأميركية، لكنه لا يحسم بعد مسار أسعار الفائدة في ظل استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، وعودة أسعار النفط إلى الارتفاع. فقد تباطأ مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.5 في المائة على أساس سنوي في حزيران ، مقارنة مع 4.2 في المائة في ايار ، بينما كانت توقعات الاقتصاديين تشير إلى 3.8 في المائة.
كما تراجع المؤشر الشهري بنسبة 0.4 في المائة بعد ارتفاعه 0.5 في المائة في الشهر السابق، في حين استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، عند 2.6 في المائة على أساس سنوي، منخفضاً من 2.9 في المائة في مايو، ولم يسجل أي زيادة شهرية.
غير أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً؛ إذ انهارت الهدنة خلال الأسبوع الماضي بعد تجدد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز، أعقبها تصعيد عسكري جديد بين واشنطن وطهران، وإعلان الولايات المتحدة إعادة فرض حصار بحري على إيران، وهو ما أعاد أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً.
وتكتسب شهادة وارش أهمية استثنائية؛ لأنها تمثل أول مواجهة مباشرة له مع الكونغرس منذ توليه المنصب. فعندما أدى اليمين في مايو، لم يُخفِ ترامب دعمه له، بل قال أمام الحضور: «اذهب وأنجز المهمة».
غير أن الخطوات الأولى التي اتخذها وارش منذ توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي رسمت صورة مختلفة. فقد حافظ على أسعار الفائدة دون تغيير، ولم يبدِ أي استعداد للاستجابة الفورية لمطالب البيت الأبيض بخفضها، كما شكل فرق عمل ضمت شخصيات أكاديمية ومصرفية معروفة بخبرتها المهنية، بعيداً عن الأسماء ذات الخلفيات الحزبية التي شغلت مناصب في مؤسسات اتحادية أخرى.
ومن بين أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في شهادة وارش تغير نبرته تجاه الذكاء الاصطناعي. فبعدما كان قبل توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي يرى أن الذكاء الاصطناعي سيقود إلى طفرة إنتاجية تخفض التضخم سريعاً، بدا في شهادته أكثر تحفظاً، معترفاً بأن هذه المكاسب قد تستغرق وقتاً حتى تظهر.
وقال إن الاقتصاد الأميركي يشهد حالياً أكبر موجة استثمار في مراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والرقائق الإلكترونية، والبرمجيات، مؤكداً أن هذه الاستثمارات تمثل السمة الأبرز للاقتصاد الأميركي في المرحلة الحالية.
وأضاف: «لا نعرف إلى أي مدى سيستفيد الاقتصاد من ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن يبدو حتمياً أن ما نسميه اليوم استثماراً في الذكاء الاصطناعي سيصبح قريباً مجرد استثمار».
وفي المقابل، أقر بأن هذه الطفرة الاستثمارية ترفع حالياً الطلب على رأس المال، والعمالة الماهرة، والبنية التحتية، وهو ما قد يولد ضغوطاً تضخمية مؤقتة، قبل أن تبدأ مكاسب الإنتاجية بالظهور على المدى الطويل.