تخطي إلى المحتوى
دراسات وتقارير

نهج العفو العام يُخفي وراءه نوايا شيطانية ...

نهج العفو العام يُخفي وراءه نوايا شيطانية ...

في العام 1991، أقفل لبنان ملف جرائم الحرب الأهلية بجرّة قلم: قانون عفو عام حوّل الجريمة إلى ذاكرة، والمحاسبة إلى شعار. يومها قيل إن "الله عفا عمّا مضى"، وسقط القضاء أمام التشريع، لا لأن القانون كان أداة عدالة، بل لأنه كان أداة طيّ صفحة بأقلّ كلفة سياسية ممكنة. ثلاثة عقود لاحقاً، يبدو أن لبنان يهمّ بتكرار المعادلة نفسها، هذه المرة مع الجرائم المالية التي أفقرت شعباً بأكمله.

١. من عفو الدم إلى عفو المال

الفارق بين عفو 1991 والمسار الذي يُرسم اليوم ليس في الجوهر بل في التقنية. عفو الحرب كان صريحاً بذاته، معلَناً بوصفه ما هو عليه. أما اليوم، فما يُطرح تحت عناوين "إصلاح المصارف" و"معالجة الفجوة المالية" يحمل ملامح عفو عام مموّه: نص تقني المظهر، إصلاحي العنوان، لكنه في جوهره يُغلق الباب أمام مساءلة من هدر المال العام وتسبّب بانهيار غير مسبوق في تاريخ لبنان المالي. والتمويه هنا أخطر من التصريح، لأنه يمنح من تسبّبوا بالانهيار غطاء "الحل" بدل مواجهة استحقاق "الحساب"، ويحوّل مسؤولية جسيمة إلى تفصيل فني يُدار في أروقة اللجان النيابية بعيداً عن أعين الرأي العام.

وما يرافق هذا المسار من خطاب حول "المظلومية" ليس بريئاً؛ إنه دراما تشريعية مصمَّمة لإنتاج نسخة من العفو ترضي كل الأطراف السياسية، وتفتح لها مساحة لتسجيل مكاسب انتخابية وشعبوية، بمعزل تام عن المساءلة والمحاسبة التي هي حصراً من اختصاص القضاء اللبناني ومهامه الدستورية.

٢. موازنة بلا قطع حساب: مخالفة تتكرر حتى تصبح عرفاً

إلى جانب ملف الفجوة المالية، هناك ممارسة أخرى أقل ضجيجاً لكنها لا تقل خطورة: إقرار موازنات عامة سنة بعد سنة من دون قطع حساب للسنوات السابقة، رغم أن الدستور اللبناني يجعل من قطع الحساب شرطاً أساسياً لقبول مشروع الموازنة للنقاش في اللجان النيابية ثم طرحه للتصويت في الهيئة العامة. حين يتكرر هذا التجاوز عاماً بعد عام من دون مساءلة، فإنه لا يبقى استثناءً بل يتحوّل إلى قاعدة بحكم الأمر الواقع، وهذا بالضبط ما يجب رفضه: فالتطبيع مع المخالفة الدستورية أخطر من المخالفة نفسها، لأنه يُسقط قدرة الدولة على مساءلة نفسها من أساسها.

٣. استبدال القضاء بالتشريع: عرَض لا سبب

إحلال التشريع محل القضاء ليس حادثاً عابراً، بل ظاهرة ولدت من رحم الفساد واللامسؤولية في إدارة الشأن العام. وهي في الوقت نفسه دلالة صريحة على تهميش دور وزارة العدل، رغم كونها وزارة سيادية بامتياز، يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن استقلالية القضاء لا أداة لتجاوزه.

حين يتحوّل التشريع إلى أداة لإنتاج الإفلات من العقاب بدل أن يكون إطاراً ينظّم عمل القضاء ويحصّن استقلاليته، تفقد الدولة أداتها الوحيدة للتمييز بين "الحل السياسي" و"العدالة". فالحل السياسي يبحث عن تسوية ترضي الأطراف المتنازعة، بينما العدالة تبحث عن الحقيقة ومحاسبة المسؤول عنها، بصرف النظر عن موقعه أو نفوذه.

٤. لماذا يهم هذا الفارق؟

ترك القضاء يأخذ مجراه ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو جوهر العقد الذي يربط الدولة بمواطنيها. حين يُستبدل مسار المحاسبة القضائية بتسوية تشريعية، فإن الرسالة التي تصل إلى كل مسؤول مقبل هو أن الإفلات من العقاب ممكن، شرط أن يكون الفساد كبيراً بما يكفي ليصبح "أزمة نظام" تستدعي "حلاً شاملاً" بدل ملاحقة فردية. وهذا بالضبط ما يكرّس ثقافة الإفلات من المحاسبة جيلاً بعد جيل.

المطلوب اليوم ليس عفواً مموّهاً بثوب إقفال الباب على المظلومية والإصلاح، ولا موازنات تُقرّ خارج الأصول الدستورية، بل إفساح المجال أمام القضاء اللبناني كي يقوم بدوره الطبيعي: كشف الحقيقة ومحاسبة من تسبّب بأكبر أزمة مالية في تاريخ البلد. فالمصلحة العامة لا تُصان بتسويات سياسية تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل بمؤسسات قضائية مستقلة تعمل وفق القانون، بمعزل عن موازين القوى السياسية الآنية.

العدالة التي تُؤجَّل باسم "الاستقرار" اليوم، هي الأزمة التي تنفجر باسم "غياب الثقة" غداً.