تتراجع العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بقرابة 7%، وتهوي إلى ما دون عتبة 80 دولاراً للبرميل، فيما تتراجع العقود الآجلة لخام برنت بقرابة 6%، وتتداول بالقرب من مستوى 83 دولاراً للبرميل.
هبوط أسعار النفط يأتي مع تمسك السوق بالفرضية الرئيسة التي تنص على أن الرئيس دونالد ترامب لا يمكنه الذهاب بالتصعيد بعيداً، وذلك بعد إلغائه هجوماً واسعاً كان قد هدد به سابقاً. أضف إلى ذلك، أعلنت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك+) رفع إنتاجها من النفط في ايلول سبتمبر، وذلك للشهر السادس على التوالي.
أظهر إعلان ترامب هذا انفتاحاً من قبل إيران على التفاوض بشأن إدارة مضيق هرمز، وفق ما قاله وسطاء لوول ستريت جورنال. كما تحدث ترامب عن انعقاد المحادثات اليوم.
ما حصل خلال عطلة نهاية الأسبوع هو تكرار لسيناريوهات سابقة، حينما كان ترامب يهدد بالتصعيد الهائل، ومن ثم يتراجع عن تهديداته، داعياً إلى إتاحة المجال أمام التفاوض، وأن اتفاقاً ما سيكون قريباً. إلا أنه كلما تكررت هذه التحركات الهادفة ظاهرياً إلى خفض التصعيد، كلما تبع ذلك عودة إلى الأعمال العدائية المتبادلة، وتجدد إعاقة إمدادات النفط المتدفقة من الإقليم، علاوة على استهداف البنية التحتية لإنتاج وتصدير النفط والغاز. هذا ما قد يُبقي أيضاً فعالية زيادة إنتاج أوبك من النفط محدودة، وذلك نظراً لاعتماد كل من المملكة العربية السعودية والكويت والعراق على نحو جوهري على التصدير عبر الناقلات من مضيق هرمز.
قد تشير تحركات ترامب هذه إلى أنه يسعى إلى انتزاع مكاسب عبر الدبلوماسية لم تتمكن الحرب من تحصيلها، أو لن تتمكن من ذلك من دون تكلفة سياسية واقتصادية باهظة، وأنه يحاول شراء الوقت وإجبار أسعار النفط على الانخفاض إلى درجة كبيرة قبل الدفع نحو موجة تصعيد هائلة. في كل الأحوال، وأياً يكن هذا الهدف من هذه المناورات، ستجد إيران في ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت فاقدة للردع - وهذا سرد متصاعد - وهذا ما سيجعلها أكثر شراسة، عسكرياً أو دبلوماسياً، على طاولة المفاوضات، بما لا يدفعها إلى الاستعجال لتقديم أي تنازلات، سواء بشأن إدارة مضيق هرمز أو أصولها المجمدة أو حتى برنامجها النووي.
عدم وجود بوادر على تقديم تنازلات جوهرية من إيران حول القضايا العالقة، وغياب الحسم العسكري، لا يعطيان ترامب أي فرصة لإعلان النصر والخروج من هذه الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي المصيرية، سواء له أو لحزبه الجمهوري.
ليس هذا فحسب، لنعد إلى المكان الذي بدأ منه كل هذا الجنون في الشرق الأوسط: غزة. أعلن ترامب الخميس الفائت أن حركة حماس وافقت على خطة لنزع سلاحها، مشروطة بانسحاب إسرائيل من القطاع الذي تسيطر على أكثر من 70% من مساحته. على الرغم من أنني أعتقد مسبقاً أن هذا الاتفاق سيبقى على الورق، إلا أن هذا الإعلان قوبل بانتقاد واسع من التيارات السياسية الإسرائيلية اليمينية، التي تدعو إلى عدم الانسحاب وإلى استكمال الحسم العسكري. يكمن الجوهر هنا في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقبل على انتخابات مصيرية بعد أقل من ثلاثة أشهر، ولم يستطع تحقيق أي نصر وفق مختلف وجهات نظر التيارات السياسية في الداخل، سواء في غزة أم في لبنان، ناهيك عن إيران التي لا تزال تحتفظ بقدر هائل من قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي. عليه، أعتقد أن نتنياهو سيسرّع الدفع باتجاه إعادة تنشيط العمل العسكري الواسع ضد إيران، في مسعى لانتزاع صورة نصر قبيل الانتخابات في أواخر أكتوبر.
كما أن الحشد العسكري الهائل للولايات المتحدة في الإقليم، الذي يصل إلى قرابة 50,000 جندي وحاملات طائرات وأساطيل من المقاتلات وطائرات التزود بالوقود، لا يتناسب مع سردية تفضيل المسار الدبلوماسي.
بهذا، لا تزال مخاطر عودة التصعيد مرتفعة للغاية، برأيي. هذا من شأنه أن يُبقي على الآفاق الصعودية لأسعار النفط، وذلك ما لم نشهد اتفاقاً شاملاً وعميقاً ينطوي على مستوى عالٍ من التفاهم بين أطراف الحرب. لا يوجد ما يوحي بذلك إلى الآن. ما يمكن أن نشهده خلال الأيام والأسابيع المقبلة إما انفجار للتصعيد على نحو غير مسبوق، أو استمرار الحالة الرمادية كما هو سائد حالياً، والمتمثلة بحالة اللاسلم واللاحرب. إلى أن البقاء في هذه المنطقة الرمادية ينطوي على مخاطر مرتفعة حول عودة الحرب الإقليمية الشاملة، وذلك نظراً للتجدد المستمر للأعمال العدائية.