في ٢٦ آذار ٢٠٢٦، أصدرت محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، برئاسة القاضية سانيا نصر، حكماً قد يبدو للوهلة الأولى نزاعاً فردياً بين عميل ومصرف. لكنه يمسّ سؤالاً ظل معلَّقاً منذ ٢٠١٩: من يملك سلطة إعادة تعريف الوديعة؟ العقد والقانون، أم التعميم التنظيمي الصادر عن مصرف لبنان؟
الجواب الذي كرّسه الحكم حاسم: التعاميم المصرفية "لا تعدو كونها تنظيماً داخلياً" بين المصارف، ولا يمكنها أن تعلو على نصوص العقود الموقعة بين المصرف والعميل، احتراماً لمبدأ نسبية أثر العقد وسموّ القواعد القانونية.
ناقش الحكم مفاهيم كانت محل جدل طويل: اعتبار الشيك وسيلة إيفاء، وأن عملة السداد مرجعها عقد فتح الحساب لا التعاميم اللاحقة، ومفهوم "اللولار"، واعتبار خدمة التحويلات جزءاً لا يتجزأ من موجبات المصرف، إضافة إلى تراتبية النصوص القانونية وحدود سلطة المصرف في فسخ العقد.
من الحكم الفردي إلى التشريح البنيوي.
في ورقة كنت قد كتبتها سابقاً طرحتُ مفهوم "التشريح الضمني للودائع" (Implicit Deposit Tranching): أن سلسلة تعاميم مصرف لبنان (١٥٠، ١٥١، ١٥٨، ١٦٥، ١٦٦) لم تكن مجرد إجراءات مؤقتة، بل شكّلت بتراكمها تجزئة فعلية للودائع بالعملات الأجنبية إلى شرائح متفاوتة القيمة والسيولة، دون أي تفويض تشريعي صريح.
الوديعة التي أودعها المواطن بالدولار عام ٢٠١٨ لم تعد، اقتصادياً، الأداة نفسها اليوم؛ تحوّلت عبر تعاميم متتالية إلى طبقات متعددة من الالتزامات بعضها "دولار طازج"، وبعضها "لولار" بقيمة لا تعكس القوة الشرائية، وبعضها مجمّد كلياً دون أن يمر أي من هذا التصنيف عبر تشريع نيابي.
هنا يكمن الترابط: حكم القاضية نصر يكرّس، في نزاع ملموس، المبدأ القانوني الذي تقوم عليه هذه الأطروحة: أن التعميم أداة تنظيم داخلي، لا تشريع موازٍ قادر على تعديل جوهر الالتزام التعاقدي. وما يصح في نزاع فردي واحد، ينسحب من حيث المبدأ على كل حالات "التشريح" التي طالت آلاف حسابات الودائع.
أربعة تداعيات اقتصادية:
أولاً، إعادة تسعير المخاطر القانونية الكامنة في ميزانيات المصارف: الفجوة بين القيمة الاسمية للودائع والقيمة الفعلية المسدَّدة عبر "اللولار" تتحول من أمر واقع إلى مسؤولية تعاقدية قابلة للمقاضاة فردياً.
ثانياً، تقويض حجة "الأمر الواقع" في أي تسوية تشريعية مقبلة: مسودات قانون الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف استندت ضمناً إلى نفاذ التعاميم؛ حكمٌ يُقرّ بعدم علوّها على العقد يسحب هذه الفرضية ويرفع كلفة أي تسوية.
ثالثاً، إعادة فتح السؤال التأسيسي: ما تبقى من "الوديعة" بعد ست سنوات من التعاميم المتراكمة؟ الجواب موجود في متن العقد الموقّع، لا فيما فرضته أدوات التنظيم الداخلي لاحقاً.
رابعاً، سابقة قد تُستخدم كذخيرة قانونية في نزاعات مقبلة، وربما في الضغط التشريعي نحو تعريف أوضح لتراتبية النصوص في أي قانون إصلاح مصرفي.
قد يمر هذا الحكم كخبر قانوني عابر. لكن من يقرأه في سياق أزمة الودائع يدرك أنه يذكّر بحقيقة بسيطة تجاوزتها الممارسة طوال ست سنوات: لا يمكن لأداة تنظيمية دون سند تشريعي أن تحلّ محل العقد والقانون في إعادة توزيع الخسائر بين الدولة، والمصرف المركزي، والمصارف، والمودع. وإلى أن يُترجَم هذا المبدأ إلى إطار تشريعي شامل يعيد تعريف الوديعة، ستبقى أي تسوية للأزمة المصرفية منقوصة الأساس القانوني وقابلة للطعن عند أول اختبار جدي أمام القضاء.