يتعرض مؤشر الدولار الأميركي DXY لضغوط واضحة بعد الصدمة التي أحدثتها بيانات الوظائف غير الزراعية الأخيرة، والتي جاءت أضعف بكثير من توقعات الأسواق، لتعيد رسم توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذه البيانات لا تكمن فقط في تسجيل الاقتصاد الأميركي خسارة 23 ألف وظيفة خلال يوليو، مقابل توقعات كانت تشير إلى إضافة نحو 80 ألف وظيفة، وإنما في عمليات المراجعة الحادة لأرقام الأشهر السابقة، والتي تعطي انطباعًا بأن ضعف سوق العمل قد يكون أعمق مما كانت الأسواق تعتقد. ولذلك أرى أن تراجع مؤشر الدولار إلى مستويات قرب 99.58، بعد تسجيله 99.41 عقب صدور البيانات، يمثل في الوقت الحالي إعادة تسعير حقيقية لتوقعات الفائدة، وليس مجرد رد فعل مؤقت على تقرير اقتصادي واحد.
واللافت بالنسبة لي هو أن بيانات الوظائف لم تأتِ سلبية من بند واحد فقط، بل حملت إشارات متعددة تستحق المتابعة. فقد تم تعديل وظائف مايو بالخفض إلى 63 ألفًا مقارنة بـ129 ألفًا سابقًا، كما جرى تعديل قراءة يونيو إلى 20 ألف وظيفة مقابل 57 ألفًا في التقدير السابق. وصحيح أن معدل البطالة تراجع من 4.2% إلى 4.1%، وهو عنصر إيجابي نسبيًا، لكن الصورة الإجمالية لسوق العمل أصبحت أقل قوة، خصوصًا عندما ننظر إلى اتجاه التوظيف بدل التركيز على قراءة شهر واحد. ومن هنا أعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي أصبح أمام معادلة أكثر تعقيدًا: سوق عمل يفقد بعض الزخم من جهة، وتضخم لا يزال أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2% من جهة أخرى.
وهذا التغير انعكس سريعًا على سوق السندات، حيث تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، وانخفض عائد السندات لأجل عشر سنوات بنحو 3.5 نقطة أساس إلى 4.637%. وفي تقديري، فإن حركة العوائد ستكون أحد أهم المفاتيح لفهم الاتجاه القادم لمؤشر الدولار؛ فاستمرار انخفاض العوائد يعني أن المستثمرين يعيدون تسعير المسار المتوقع للفائدة الأمريكية، وهو ما يضعف جاذبية الدولار نسبيًا أمام العملات الرئيسية. كما أن تراجع احتمالات رفع الفائدة في ايلول سبتمبر من نحو 58% إلى قرابة 30% يعكس حجم الصدمة التي أحدثتها بيانات سوق العمل، ويشير إلى أن الأسواق أصبحت أكثر حذرًا تجاه استمرار التشديد النقدي.
مع ذلك، لا أرى أن الطريق أمام الدولار أصبح هبوطيًا بشكل محسوم. السبب الرئيسي هو أن الاحتياطي الفيدرالي لا يستطيع اتخاذ قراراته اعتمادًا على سوق العمل فقط، خصوصًا في ظل بقاء التضخم فوق مستهدفه. ولهذا أعتقد أن بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأميركي CPI ستكون أكثر أهمية في تحديد ما إذا كان الهبوط الحالي في مؤشر الدولار سيتحول إلى اتجاه متوسط الأجل، أم أنه مجرد تصحيح داخل مسار أوسع. التوقعات تشير إلى انخفاض التضخم السنوي من 3.5% إلى 3.4%، مع تراجع التضخم الأساسي من 2.6% إلى 2.5%، وإذا جاءت الأرقام أعلى من المتوقع، فقد نشهد عودة سريعة للعوائد والدولار، لأن الأسواق ستعيد تسعير احتمالات الفائدة من جديد.
وفي المقابل، إذا جاءت بيانات التضخم الأميركي متماشية مع التوقعات أو أضعف منها، فسأعتبر ذلك إشارة إضافية لمصلحة استمرار الضغط على الدولار، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع استمرار ضعف سوق العمل. وهنا قد تتسع مساحة التوقعات بشأن إمكانية تحول السياسة النقدية الأميركية إلى موقف أكثر مرونة خلال الفترة المقبلة. كما أن صدور مؤشر أسعار المنتجين PPI في اليوم التالي سيضيف طبقة أخرى من المعلومات، باعتباره أحد المؤشرات المهمة التي تساعد في تقييم الضغوط السعرية المستقبلية وتكوين صورة أوسع عن مسار التضخم.
و أرى أن تراجع مؤشر الدولار من قممه الأخيرة يحتاج إلى تأكيد قبل الحديث عن تحول هيكلي كامل في الاتجاه. فالمؤشر لا يزال يتحرك داخل بيئة شديدة الحساسية للأخبار، وأي مفاجأة إيجابية في بيانات التضخم أو ارتفاع جديد في عوائد السندات قد يعيد الطلب على الدولار بسرعة. لذلك لا أفضل مطاردة الهبوط الحالي، بل أرى أن مراقبة سلوك السعر حول مناطق الدعم والمقاومة بالتزامن مع حركة عوائد الخزانة ستكون أكثر دقة في تحديد الاتجاه القادم.
وبالنسبة لي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية هو استمرار حالة الضغط على مؤشر الدولار مع ارتفاع مستوى التقلب، لكن دون استبعاد ارتدادات صاعدة حادة قبل صدور بيانات التضخم. فإذا أكدت بيانات CPI وPPI استمرار تباطؤ الضغوط السعرية، في الوقت الذي يواصل فيه سوق العمل فقدان زخمه، فإن مبررات قوة الدولار ستتراجع تدريجيًا، وقد نشهد انتقالًا من مجرد تصحيح إلى موجة هبوط أكثر وضوحًا. أما إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من التوقعات، فسيتغير المشهد سريعًا، وقد تستعيد عوائد السندات زخمها الصاعد ويعود الدولار إلى الواجهة.
في المحصلة، أعتقد أن مؤشر الدولار الأمريكي يقف الآن أمام اختبار اقتصادي وسياسي مهم، وليس أمام حركة فنية معزولة. صدمة الوظائف أعادت تسعير توقعات الفائدة، لكن بيانات التضخم هي التي ستحدد ما إذا كان هذا التسعير سيستمر أم سيتراجع. لذلك أرى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمسار الدولار، بل أيضًا للذهب وعوائد السندات والأسواق العالمية، خصوصًا مع استمرار حساسية المستثمرين تجاه التطورات الجيوسياسية. ومن وجهة نظري، فإن اجتماع ضعف سوق العمل مع تباطؤ التضخم سيكون السيناريو الأكثر سلبية للدولار، بينما ستبقى المفاجآت التضخمية هي الخطر الأكبر على هذا السيناريو.