منذ سنوات، نسمع عن الإصلاح المصرفي وإعادة هيكلة القطاع، فيما لا يزال الاقتصاد اللبناني ينتظر عودة المصارف إلى دورها الطبيعي: تمويل الناس والمؤسسات وتحريك الدورة الاقتصادية.
المشكلة لم تعد مصرفية فقط. كل يوم تأخير ينعكس على قطاعات منتجة، وفي مقدمتها القطاع العقاري الذي لا يستطيع أن يستعيد نشاطه الحقيقي في ظل غياب القروض السكنية.
اليوم، من يريد شراء منزل في لبنان يحتاج في معظم الأحيان إلى السيولة الجاهزة. وهذا يعني أن شريحة كبيرة من اللبنانيين، وخصوصاً الشباب والعائلات، أصبحت عملياً خارج سوق التملك، حتى عندما تكون لديها مداخيل تسمح لها بتسديد قرض سكني على سنوات.
لكن الأهم أن القرض السكني لا يموّل شقة فقط.
عندما يشتري شخص منزلاً، يستفيد المطوّر والمقاول والمهندس. تتحرك شركات مواد البناء والألمنيوم والزجاج والخشب. بعدها يأتي دور المفروشات والمطابخ والأجهزة الكهربائية والديكور والتأمين وغيرها.
أي أن قرضاً سكنياً واحداً يحرّك سلسلة طويلة من المؤسسات والمهن وفرص العمل.
من هنا، لا يمكن فصل تعافي القطاع العقاري عن إصلاح القطاع المصرفي. ولا يمكن الحديث عن نمو اقتصادي مستدام فيما المصارف عاجزة عن ممارسة إحدى أبسط وظائفها: الإقراض.
بالتأكيد، المطلوب ليس العودة إلى النموذج السابق وكأن شيئاً لم يحصل. المطلوب قطاع مصرفي جديد، سليم وشفاف، يحمي المودعين ويستعيد الثقة ويعود تدريجياً إلى تمويل الاقتصاد وفق قواعد واضحة ومسؤولة.
لبنان يملك اليوم فرصة حقيقية لإعادة تحريك اقتصاده، والطلب على السكن موجود، لكن السيولة وحدها لا يمكن أن تبني سوقاً عقارية صحية ومستدامة.
لذلك، فإن التأخير في إقرار الإصلاح المصرفي لم يعد يحتمل.
لأن إعادة القروض السكنية لا تعني فقط مساعدة اللبناني على شراء منزل. تعني إعادة العمل إلى عشرات القطاعات المرتبطة به، وإعادة ضخ المال في الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وإعطاء الناس سبباً جديداً للاستثمار والبقاء في لبنان.
الإصلاح المصرفي ليس ملفاً تقنياً مؤجلاً.
إنه أحد مفاتيح إعادة تشغيل الاقتصاد اللبناني.