تخطي إلى المحتوى
تحليل

حزب الله والمشهد النقدي والمصرفي اللبناني: مساءلة عن الكلفة المباشرة وغير المباشرة

حزب الله والمشهد النقدي والمصرفي اللبناني:  مساءلة عن الكلفة المباشرة وغير المباشرة

عندما دخل حزب الله الحياة النيابية محتفظاً بسلاحه خارج أي مظلة شرعية حصرية للدولة، دخل لبنان في معادلة غير مسبوقة: دولة ذات سيادة منقوصة، وقرار وطني مرهون لحسابات إقليمية لا تخصّه دائماً. هذه الورقة لا تقترح قراءة عاطفية للملف، بل تعرض خلاصة تراكم أكثر من عقد ونصف من الوقائع القابلة للتوثيق والتحقق، وتُميّز بوضوح بين قناتين للمسؤولية:

· كلفة مباشرة: وهناك قناتان منفصلتان، منظومة مالية موازية تعمل داخل الجهاز النقدي نفسه، وأضرار مادية مباشرة ناتجة عن قرارات الحزب بالدخول في الحرب.

· كلفة غير مباشرة: وهنا أيضاً نجد قناتان، كلفة انتقلت إلى القطاع المصرفي المرخّص بأكمله عبر إقفال مصارف ارتبطت بالحزب (جمال ترست بنك 2019، والبنك اللبناني الكندي 2011)، وتفكك مقومات الدولة نفسها (سيادتها، ائتمانها المالي، ومكانتها الإقليمية) نتيجة لوجود مركز قرار مواز.

الهدف من هذه الورقة ليس تحميل طرف واحد كامل المسؤولية عن انهيار شامل تعددت أسبابه، بل عزل الحصة المحدّدة والقابلة للتوثيق التي يتحملها حزب الله تحديداً، بالاستناد إلى تصنيفات مؤسسية رسمية (وزارة الخزانة الأميركية، مجموعة العمل المالي الدولية، المفوضية الأوروبية، البنك الدولي)، لا إلى اجتهاد سياسي. الورقة تُختتم بملاحظة منهجية توازن الصورة عبر عرض وجهات النظر المقابلة.

المنظومة المالية الموازية والكلفة المباشرة

جمعية "القرض الحسن": بنك مركزي موازٍ لجزء من الاقتصاد

جمعية "القرض الحسن" هي الحالة الأوضح على الإطلاق لمسؤولية حزب الله المباشرة في الملف النقدي. أُنشئت الجمعية في ثمانينات القرن الماضي بغطاء ترخيص كجمعية أهلية من وزارة الداخلية، لكنها تقدّم فعلياً خدمات شبيهة بالمصارف (قروضاً وودائع وتحويلات) لعشرات آلاف المستفيدين، خارج أي رقابة من مصرف لبنان أو هيئة التحقيق الخاصة، وخارج قانون النقد والتسليف الذي يحكم عمل المصارف المرخّصة.

صنّفت وزارة الخزانة الأميركية الجمعية عام 2007 كغطاء لإدارة الأنشطة المالية لحزب الله والوصول إلى النظام المالي الدولي. ومنذ ذلك التصنيف، توالت العقوبات على شبكة كاملة من مسؤوليها الماليين: المدير المالي أحمد محمد يزبك (2021)، المدير التنفيذي عادل منصور (2022)، ثم حزمة عقوبات جديدة في تموز 2025 طالت سبعة مسؤولين كبار وكياناً واحداً، بذريعة تمكين حزب الله من تمرير أموال عبر النظام المالي اللبناني رغم العقوبات القائمة منذ سنوات. وثّقت وزارة الخزانة أن هؤلاء المسؤولين استخدموا حسابات مشتركة في مصارف لبنانية، بينها جمال ترست بنك المصنَّف أميركياً، لتمرير ما يفوق 500 مليون دولار داخل النظام المالي الرسمي على مدى عقد كامل، عبر ما وصفته الخزانة بـ "حسابات ظل."

هذا مباشر بامتياز: كيان تابع للحزب يعمل كبنك مركزي موازٍ لجزء من الاقتصاد اللبناني، يستقطب سيولة دولارية فعلية خارج قدرة مصرف لبنان على قياسها أو ضبطها. وهو ما دفع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، في 14 تموز 2025، لإصدار التعميم الأساسي رقم 170 الذي يمنع كل المؤسسات المالية المرخّصة من أي تعامل مباشر أو غير مباشر، كلياً أو جزئياً، مع جمعية القرض الحسن وشركات مرتبطة بها مثل "تسهيلات ش.م.م." و"الميسر للتمويل والاستثمار" و"بيت المال للمسلمين". مصرف لبنان أوضح لاحقاً أن التعميم لا يستهدف الجمعية حصراً بل كل جهة خاضعة لعقوبات دولية، وأن هدفه المعلن حماية المصارف اللبنانية من فقدان علاقاتها مع المصارف المراسلة الأميركية. هذا التعميم، بحد ذاته، اعتراف مؤسسي رسمي، لا اتهام سياسي، بأن هذا الكيان يشكّل تهديداً لسلامة الجهاز النقدي.

الكلفة غير المباشرة عبر المصارف المرخّصة

جمال ترست بنك (2019): حين يتحول ارتباط عابر إلى كلفة جماعية. في 29 آب 2019، صنّفت وزارة الخزانة الأميركية جمال ترست بنك، مصرف تجاري بعمر خمسين عاماً وشبكة فروع واسعة، كمنظمة إرهابية، بتهمة تقديم خدمات مصرفية للمجلس التنفيذي لحزب الله ولجمعية القرض الحسن ومؤسسة الشهيد الإيرانية، والسماح لمسؤولين في الحزب باستخدام حسابات شخصية ظاهرياً لتسيير أعماله. خلال أسابيع قليلة، اضطر البنك، رغم سلامة وضعه المالي كما أقرّ بنفسه، للتصفية الذاتية والبيع بالتنسيق مع مصرف لبنان.

الأثر لم يبقَ محصوراً بالبنك نفسه. أفادت مصادر مصرفية بتراجع ملموس في تحويلات المغتربين من الخليج وأفريقيا وأوروبا إلى حساباتهم في المصارف اللبنانية عموماً، وسط مخاوف من امتداد الإجراء إلى مصارف أخرى. بعبارة أخرى: كلفة ارتباط مصرف واحد بالحزب انتقلت إلى ثقة الجهاز المصرفي اللبناني بأكمله، في لحظة كان الاقتصاد لا يزال يعتمد بشدة على تدفق الحوالات كمصدر أساسي للسيولة بالعملة الصعبة.

البنك اللبناني الكندي (2011): سابقة قانونية مختلفة، نتيجة مماثلة. حالة البنك اللبناني الكندي (LCB) مختلفة قانونياً عن جمال ترست بنك، لكنها متشابهة في التداعيات، وتُعدّ من أهم السوابق في هذا الملف لأنها أول مرة استُخدمت فيها أداة قانونية مختلفة تماماً لضرب مصرف لبناني بسبب ارتباطات بحزب الله.

في 10 شباط 2011، لم تُدرج وزارة الخزانة البنك على لائحة العقوبات المباشرة، بل استخدمت المادة 311 من قانون باتريوت، التي تُجيز لوزير الخزانة، عند توفر أسباب معقولة، تصنيف مؤسسة مالية أجنبية كـ "مصدر قلق أساسي لغسل الأموال". الفارق العملي جوهري: هذا التصنيف لا يجمّد الأصول مباشرة، لكنه يُلزم كل مؤسسة مالية أميركية باتخاذ "تدابير خاصة" أقصاها حظر فتح أو الإبقاء على أي حساب مراسل بالدولار للمصرف المصنَّف. عملياً، هذا قطع كامل عن نظام تسوية الدولار العالمي وهو أشد أثراً من تجميد أصول محدودة.

الاتهام الذي بُني عليه القرار كان مختلفاً في طبيعته: لم يكن تمويلاً مباشراً لعمليات حزب الله العسكرية، بل تورط إداري في شبكة تهريب مخدرات دولية ضخمة يديرها أيمن جمعة، تُهرَّب عبر أميركا الجنوبية وغرب أفريقيا وصولاً إلى أوروبا والشرق الأوسط، وتُغسَل عائداتها، والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات شهرياً، عبر حسابات في LCB، إضافة إلى غسيل تجاري عبر شراء سيارات مستعملة في الولايات المتحدة وبيعها في غرب أفريقيا. أكدت وزارة الخزانة وإدارة مكافحة المخدرات الأميركية تواطؤ مديري البنك، وربطتا الشبكة بتمويل حزب الله عبر ما وُصف لاحقاً بـ "مكتب أعمال" تابع للحزب يستخدم تجارة المخدرات كمصدر تمويل. كان البنك من كبرى المصارف اللبنانية، بأصول تفوق 5 مليارات دولار و35 فرعاً في لبنان ومكتب تمثيل في مونتريال وعلاقات مراسلة واسعة مع مصارف أميركية. بعد التصنيف مباشرة، اضطر لبيع كامل عملياته وأصوله لمصرف "سوسيتيه جنرال دو بانك أو ليبان" (SGBL) خلال أشهر قليلة من العام نفسه؛ كان اندماج قسري أنهى وجوده كمؤسسة مستقلة، على غرار ما تكرر مع جمال ترست بعد ثماني سنوات، لكن بأداة قانونية مختلفة.

الخيط الذي يربط الحالتين. كلا المثالين يوضح آلية واحدة: وجود شبكة مالية تابعة للحزب، سواء كمؤسسة موازية (القرض الحسن) أو كمصرف مرخّص استُخدم كواجهة (جمال ترست أو البنك اللبناني الكندي) يفرض على الجهاز المصرفي اللبناني بأكمله كلفة "خطر الارتباط" لا يتحكم بها لا مصرف لبنان ولا المصارف التجارية نفسها، بل قرار سياسي-تنظيمي في واشنطن مرتبط حصراً بسلوك الحزب. هذا نمط متكرر يفسّر جزءاً كبيراً من صعوبة لبنان المزمنة في الحفاظ على علاقات المصارف المراسلة الدولية، وهي شرط وجودي لأي نظام مصرفي يعتمد الدولار.

لماذا هذه الحالات مهمة لصانع القرار؟ لأنها تُثبت أن نمط "كلفة الارتباط بحزب الله على القطاع المصرفي بأكمله" ليس ظاهرة حديثة مرتبطة بحرب 2023-2024 أو بتصنيف مجموعة العمل المالي للبنان، بل نمط متكرر منذ خمسة عشر عاماً على الأقل، بصرف النظر عن هوية الحكومة أو حاكم مصرف لبنان في كل حقبة.

الأثر التشغيلي الراهن على القطاع المصرفي

بعد إدراج مجموعة العمل المالي الدولية لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024، بذريعة أوجه قصور استراتيجية في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تبع ذلك قرار المفوضية الأوروبية في

حزيران 2025 إدراج لبنان على لائحة الدول الثالثة عالية المخاطر، دخل حيّز التنفيذ اعتباراً من 5 آب 2025. استند قرار الاتحاد الأوروبي إلى سبعة أوجه قصور استراتيجية، بينها ضعف آليات تقييم المخاطر والهياكل الرقابية ونقص الشفافية بشأن المالكين المستفيدين.

فرضت المصارف المراسلة الأوروبية، إثر ذلك، إجراءات تدقيق إضافية على كل تحويل يمر عبر لبنان: تحقق إلزامي من عدم وجود عقوبات مالية على العميل أو الكيان اللبناني في كل عملية، وموافقة الإدارة العليا في المصرف المراسل قبل تنفيذ أو حتى مواصلة أي عملية مالية مع طرف لبناني؛ أي أن معاملة كانت تُنجز آلياً أصبحت تحتاج تصعيداً إدارياً. النتيجة كانت تأخيراً أو رفضاً فعلياً لبعض المدفوعات، خصوصاً التحويلات باليورو، وتراجعاً ملموساً في حجم التحويلات المنفَّذة. طال الإدراج أيضاً سياسات إصدار بطاقات الائتمان والخصم، إذ بدأت بعض شبكات الدفع العالمية بإعادة تقييم شراكاتها مع المصارف اللبنانية.

منح لبنان مهلة حتى نهاية عام 2026 لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة والخروج من اللائحة الرمادية؛ الفشل في ذلك يعني خطر الانتقال إلى اللائحة السوداء، بعواقب أشد.

الجسر السببي إلى حزب الله. من بين الأسباب المعلنة صراحة لإبقاء لبنان تحت المراقبة المعزّزة: المخاوف المستمرة بشأن تمويل الكيانات غير الشرعية، وأبرزها حزب الله، وتُذكر جمعية القرض الحسن تحديداً كملف تمويل موازٍ غير مرخّص يُعرقل خروج لبنان من هذا التصنيف. بعبارة أخرى: الكلفة التشغيلية اليومية التي يتحملها كل مواطن وكل شركة لبنانية عند تحويل الأموال من وإلى الخارج ليست نتيجة سياسة مصرف لبنان أو أداء المصارف التجارية، بل انعكاس مباشر لوجود منظومة مالية تابعة للحزب لا تزال تُصنَّف كخطر امتثال دولي لم تُعالَج بعد.

حين تقرر المصارف العالمية أن لبنان لا يستحق المخاطرة (De-Risking)

الحلقة الأخطر في هذه السلسلة هي قطع العلاقة نهائياً، وهي ظاهرة عالمية أوسع من لبنان: مصارف مراسلة كبرى تُقلّص أو تُنهي علاقاتها مع مصارف ودول تعتبرها عالية المخاطر من زاوية غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا لأنها أثبتت مخالفة بعينها بالضرورة، بل لأن كلفة الامتثال والتدقيق المستمر أصبحت أعلى من العائد التجاري للاستمرار بالعلاقة. لبنان حالة نموذجية لهذه الظاهرة، وموثّقة مؤسسياً منذ سنوات:

· حذّر حاكم مصرف لبنان، في مذكرة رسمية إلى النائب العام التمييزي، من أن مصرف لبنان "بات في وضع صعب" بعدما بدأت مصارف مراسلة في الخارج بقطع علاقاتها المالية مع البنك المركزي والمصارف التجارية اللبنانية معاً؛ وهو تحذير من أن قدرة لبنان على شراء السلع من الخارج والحصول على النقد الأجنبي باتت مهدَّدة بالتوقف الفعلي.

· حتى أواخر 2024، لم يبقَ يتعامل مع لبنان بثقة كاملة سوى عدد محدود من المصارف الدولية الكبرى، وهو رقم ضئيل جداً لاقتصاد يعتمد بالكامل على الدولار في تجارته الخارجية وتحويلاته.

· أقرّ نائب حاكم مصرف لبنان الأول علناً أن الحروب الإقليمية والعقوبات المالية المفروضة على أطراف في المنطقة تدفع المصارف العالمية إلى التمادي في سياسة تقليص المخاطر تجاه المنطقة العربية عموماً، ولبنان تحديداً بسبب وجود حزب الله ضمن معادلته السياسية.

الفرق الجوهري بين ما سبق (تأخير معاملة، رفض تحويل، تدقيق إضافي) وبين de-risking، هو أن الأول كلفة تشغيلية يمكن التعايش معها، بينما الثاني قرار بنيوي: إنهاء العلاقة المراسلة بالكامل. ولبنان اقتصاد لا يستورد القمح والدواء والمحروقات ويُموّل تجارته الخارجية إلا عبر شبكة المصارف المراسلة الدولية بالدولار؛ فحين ينسحب مصرف مراسل كبير، لا يتأثر عميل واحد أو معاملة واحدة، بل تُغلق قناة كاملة يعتمد عليها الاقتصاد الحقيقي بأكمله (الاستيراد، فتح الاعتمادات المستندية، وتسييل الصادرات).

ربط de-risking بحزب الله هنا مباشر وليس تأويلياً: التصنيفات نفسها (مجموعة العمل المالي الدولية، الاتحاد الأوروبي، عقوبات أوفاك المتكررة على جمعية القرض الحسن وشبكاتها) هي بالضبط المعطيات التي تستند إليها لجان الامتثال في المصارف المراسلة الكبرى لاتخاذ قرار عدم الجدوى تجاه لبنان ككل. القطاع المصرفي اللبناني بأكمله، بما فيه المصارف التي لم يقترب أي مسؤول فيها من حزب الله يوماً، يدفع اليوم ثمن الـ De-

Risking جماعي، لأن الملف الذي يبرر تصنيف لبنان عالي المخاطر هو ملف حزب الله تحديداً، لا ملف القطاع المصرفي بمعزل عنه.

الكلفة الأوسع حزب الله والدولة المصادَرة

الكلفة المباشرة الموثّقة: الحروب

الحرب الإسرائيلية التي اندلعت إثر فتح حزب الله جبهة "الإسناد" لغزة في تشرين الأول 2023، وتصاعدت إلى مواجهة شاملة عام 2024، خلّفت دماراً وُثّق مؤسسياً: قدّر البنك الدولي، عبر تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات، إجمالي الأضرار الاقتصادية بما يتجاوز 11 مليار دولار، طالت عشرة قطاعات رئيسية على رأسها الطاقة والإسكان والبنية التحتية والتجارة والصناعة. قرار الدخول في هذه المواجهة، بمعزل عن أي تبرير سياسي يُقدَّم له، اتخذه الحزب منفرداً دون غطاء من مجلس الوزراء أو مسار تشريعي يمثّل الإرادة الوطنية الجامعة. تحمّلت الدولة اللبنانية بكامل مكوّناتها فاتورة قرار لم تُستشر فيه. هذا النمط ليس جديداً: حرب تموز 2006 خلّفت دماراً واسعاً إثر عملية عبور حدود نفّذها الحزب دون تنسيق حكومي مسبق.

الانخراط في الحرب السورية: من "المقاومة" إلى العزلة. أعلن حزب الله رسمياً مشاركته العسكرية في الحرب الأهلية السورية إلى جانب نظام بشار الأسد عام 2013. هذا القرار، الذي اتُّخذ أيضاً بمعزل عن أي غطاء حكومي لبناني رسمي، حوّل صورة الحزب في الوجدان العربي والإسلامي السنّي من طرف قاوم إسرائيل عام 2006 إلى طرف في حرب مذهبية إقليمية، بحسب توصيف باحثين متخصصين. الكلفة الأخطر كانت على لبنان ككل: تصنيف الحزب كطرف محارب في سوريا فتح الباب أمام عقوبات أميركية موسّعة ابتداءً من آب 2012، وأسّس لقطيعة سياسية وأمنية مع دول الخليج انعكست قطيعة اقتصادية كاملة وكان من أسبابها تراجع السياحة الخليجية، وتوقف تدفق استثمار كان يشكّل رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني.

غياب احتكار الدولة للقوة: أصل التكلفة. يبقى العنصر الأشمل هو عجز الدولة اللبنانية عن تكريس احتكارها الحصري للسلاح والقرار الأمني على كامل أراضيها نتيجة مباشرة لوجود قوة عسكرية منظمة وموازية للجيش الرسمي، ذات قرار حرب وسلم مستقل. انعكس هذا العجز مؤسسياً: تعطيل استحقاقات دستورية (كالشغور الرئاسي الممتد لأكثر من عام)، شلل في مجلس الوزراء عند أي ملف يمسّ موقع الحزب أو سلاحه، وعجز الدولة عن بسط سلطتها جنوب الليطاني بما يتوافق مع القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006.

منظومة المحسوبية وحماية الإفلات من المحاسبة. أخطر أشكال المسؤولية غير المباشرة ليست فيما فعله حزب الله مباشرة، بل فيما مكّن غيره من فعله بغطائه. الشاهد الأوضح: مسار التحقيق في انفجار مرفأ بيروت (4 آب 2020)، الذي وثّقته منظمة مراقبة حقوق الإنسان (Human Rights Watch) بالتفصيل. حين وجّه المحقق العدلي طارق البيطار الاتهام إلى وزراء سابقين من مكوّنات سياسية متعددة، رفض هؤلاء جميعاً المثول للاستجواب ولم تُنفَّذ أوامر التوقيف بحقهم. حزب الله كان الطرف الأكثر علنية في هذه المعركة: أمينه العام هدّد صراحة أهالي الضحايا بأنهم لن يصلوا إلى العدالة والحقيقة مع هذا القاضي، ونظّم مع حركة أمل تظاهرة أمام قصر العدل عام 2021 للمطالبة بتنحيته، فيما طالب مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب علناً بتنحية البيطار عن الملف.

هذه الواقعة تكشف آلية "الدولة العميقة": الحماية لم تكن محصورة بكوادر الحزب نفسه، بل امتدت لتشمل حلفاء من طوائف وتيارات مختلفة، طالما أن سقوطهم قضائياً كان سيُقوّض الترتيب السياسي الذي يخدم بقاء السلاح خارج المساءلة.

أي قراءة موضوعية لهذا الملف تستدعي الإقرار بوجود اعتراضات جدّية على تحميل حزب الله وحده كامل المسؤولية:

· مسؤولية الطبقة السياسية الأوسع: الفساد المالي والإداري الذي أدى إلى انهيار 2019 سبق الحزب زمنياً وتجاوزه فاعلين؛ منظومة المحاصصة الطائفية بأكملها، بما فيها حلفاء الحزب وخصومه على حدّ سواء، شاركت في بناء الاقتصاد الريعي الذي انهار.

· رواية "المقاومة" المضادة: يقدّم الحزب وأنصاره تدخلاته (2006، سوريا، 2023-2026) كدفاع عن لبنان أو عن "محور" يعتبرونه ضرورياً لردع تهديدات وجودية، وهو تأطير يحظى بتأييد شعبي حقيقي داخل قاعدته، وليس مجرد دعاية.

· صعوبة الفصل السببي: تحميل الحزب حصة دقيقة من تصنيف مجموعة العمل المالي الدولية أو من قطيعة الخليج أمر يصعب عزله إحصائياً عن سياسات مصرف لبنان النقدية، وضعف الرقابة المصرفية العامة، وقرارات حكومات متعاقبة لم تكن جميعها من مكوّنات الحزب.

· حدود دليل "الدولة العميقة": واقعة تحقيق مرفأ بيروت توثّق أن حزب الله كان الطرف الأكثر علنية في حماية حلفائه من المساءلة، لكنها لا تثبت وحدها أن كل شبكات المحسوبية في لبنان التي سبقت تأسيس الحزب عام 1982 وتشمل أطرافاً لا علاقة لها به، تدين ببقائها له حصراً؛ التعميم من حالة موثّقة واحدة إلى "منظومة كاملة" انتقال استدلالي يستحق مزيداً من الأمثلة الموثّقة قبل تقديمه كحقيقة مثبتة.

إدراج هذه الاعتراضات لا يُلغي حجّة هذه الورقة، لكنه يضعها في سياقها الصحيح: حكم سياسي-تحليلي قوي الحجة، مستند إلى تصنيفات مؤسسية متعددة ومستقلة، لا استنتاج علمي حاسم لا يقبل النقاش.

من يدفع الفاتورة؟ ولمن الحل؟

القاسم المشترك بين كل هذه القنوات، الحرب المباشرة، الانخراط في سوريا، التصنيف الرمادي والأوروبي، تعطيل السيادة، وحماية شبكة المحسوبية، هو أن القرار كان دائماً بيد طرف واحد، بينما الفاتورة توزّعت على كامل الشعب اللبناني، بمن فيهم مصارف وأفراد لم يُستشاروا يوماً في اتخاذها. حين تملك جهة سياسية-عسكرية القدرة على جرّ البلاد إلى حرب، وعلى تشغيل منظومة مالية موازية تُصنَّف الدولة بأكملها على لوائح الاشتباه الدولية، وعلى تعطيل أبسط استحقاقات الحكم لسنوات، وعلى توفير الحصانة لكل من يدين لها بالولاء بصرف النظر عن انتمائه الطائفي، فإن مساءلتها عن كلفة هذا كله ليست تجنياً سياسياً، بل استحقاق وطني مؤجَّل.

غير أن المساءلة وحدها لا تُخرج بلداً من أزمته. المعضلة البنيوية التي توثّقها هذه الورقة لن تُحلّ بقرار فردي، ولا بإصلاح تقني معزول، بل بتزامن أربع جبهات عمل، كل واحدة منها بيد فاعل مختلف، وكل واحدة منها مشروطة بجدول زمني ضيّق تحدّده الجهات الدولية نفسها لا الإرادة اللبنانية وحدها.

· مصرف لبنان والسلطة الرقابية: من الحظر التنظيمي إلى الرقابة الفعلية. التعميم 170 خطوة تأسيسية لا نهائية. المطلوب الآن جدول تنفيذي معلن بمهل زمنية محددة: آلية تدقيق دورية على التزام كل مصرف ومؤسسة مالية مرخّصة بمضمونه، عقوبات رادعة ومعلنة بحق أي مخالفة، وربط النتائج بتقارير الامتثال التي تُرفع دورياً إلى مجموعة العمل المالي الدولية والمصارف المراسلة. الحظر على الورق لا يقنع لجنة امتثال في نيويورك أو فرانكفورت؛ ما يقنعها سجل إنفاذ قابل للتدقيق.

· السلطة التشريعية والتنفيذية: فصل الملف التقني عن الملف السياسي. طالما بقيت جمعية القرض الحسن وشبكاتها خارج أي رقابة رسمية فعلية، سيبقى خروج لبنان من اللائحة الرمادية قبل موعد المراجعة المقبل في تشرين الأول 2026 رهينة لملف لا علاقة له بأداء المصارف التجارية أو سياسة مصرف لبنان النقدية. على الحكومة أن تُقدّم لمجموعة العمل المالي الدولية والاتحاد الأوروبي خريطة طريق واضحة تُظهر أن معالجة التمويل الموازي مسار قائم بذاته، لا رهينة توازنات حكومية داخلية. غياب هذا الفصل يعني أن كل إصلاح مصرفي أو تشريعي آخر، مهما كان جدياً، سيبقى غير كافٍ لتبرئة لبنان من التصنيف.

· القطاع المصرفي والمجتمع الدولي: احتواء الـ De-Risking قبل فوات الأوان. يجب التعامل مع أي انسحاب إضافي لمصرف مراسل كبير كأولوية وجودية لا كحادث عابر، لأن كلفته لا تقتصر على قناة مصرفية بل تمتد إلى قنوات استيراد القمح والدواء والمحروقات. هذا يستدعي من جمعية المصارف والمصارف الكبرى أنفسها بناء قناة تواصل مباشرة ومستمرة مع لجان الامتثال في المصارف المراسلة، لعزل سجلّها الفردي عن الملف السيادي الأوسع، بدل انتظار أن يُحسم الأمر بقرارات أحادية من واشنطن أو بروكسل.

· الاستعداد لتصعيد إضافي لا انتظاره. تجربتا البنك اللبناني الكندي وجمال ترست بنك تُظهران أن العقوبات على كيان واحد تنتقل كلفتها سريعاً إلى القطاع بأكمله عبر قنوات المراسلة. أي تصعيد أميركي أو أوروبي جديد على شبكة القرض الحسن سيتكرر بالنمط نفسه ما لم تُعالَج المشكلة عند جذورها، لا عند تجلياتها. الاستعداد هنا يعني خطة طوارئ مصرفية معلنة سلفاً، لا ردة فعل لاحقة.

هذه المسارات الأربعة لا تُغني بعضها عن بعض، ولا يمكن لأي منها أن ينجح منفرداً. لبنان لا يملك ترف التعامل مع هذا الملف كأزمة إدارية قابلة للتأجيل؛ فالمهلة الدولية محددة، والكلفة التراكمية تتضاعف مع كل دورة مراجعة تمرّ دون إصلاح جذري. القرار، في النهاية، ليس بيد حزب الله وحده، بل بيد كل من يملك اليوم أداة تشريعية أو رقابية أو تفاوضية ويختار، أو يمتنع، عن استخدامها.