تخطي إلى المحتوى
تحليل

الاقتصاد السياسي العالمي يدخل مرحلة أكثر خطورة

الاقتصاد السياسي العالمي يدخل مرحلة أكثر خطورة

عندما تتقاطع المواجهة العسكرية مع حسابات القوى الكبرى، لا تنتظر الأسواق تقارير الميدان. هي تُسعّر الاحتمالات، وتُسعّر المخاطر، وتُسعّر احتمالات التصعيد قبل أن تتضح نتائجه. والتصعيد "on-and-off" بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءته كحدث أمني صرف. إنه صدمة اقتصادية – سياسية متعددة الطبقات، تنتقل آثارها عبر ثلاث قنوات رئيسية: الطاقة، والمال، وإعادة التموضع الجيوسياسي.

أول هذه القنوات هي الطاقة. ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز. حتى في غياب إغلاق فعلي أو تعطيل مباشر، يكفي ارتفاع احتمالات المخاطرة كي ترتفع أسعار النفط، وتتسع هوامش التذبذب، وتزداد كلفة التأمين البحري. أسواق الطاقة لا تنتظر انقطاع الإمدادات؛ بل تتحرك استباقياً بناءً على سيناريوهات الاحتمال. ومع كل ارتفاع في أسعار النفط، ترتفع مخاطر التضخم، وتتعقد قرارات البنوك المركزية التي كانت تتهيأ لتخفيف سياساتها النقدية. هنا تتحول الجغرافيا السياسية إلى عامل مباشر في تسعير السندات والعملات والأسهم.

القناة الأولى والأكثر فورية اليوم هي الطاقة، لكننا لم نعد أمام علاوة مخاطر نظرية، بل أمام اختناق فعلي في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. إغلاقه أمام الملاحة لا يعني فقط ارتفاعاً في الأسعار، بل إعادة تسعير شاملة لمخاطر الإمداد.

في السابق، كانت الأسواق تتفاعل مع احتمالات التعطيل. أما الآن، فهي تتعامل مع تعطيل قائم. هذا الفارق جوهري. فالسعر لم يعد يعكس "احتمال الانقطاع"، بل يعكس كلفة الانقطاع ذاته، مضافاً إليها احتمال اتساعه أو استمراره. النتيجة الفورية هي قفزات حادة في أسعار الخام، واتساع في هوامش التقلب، وارتفاع كبير في كلفة التأمين والشحن، إضافة إلى ضغط فوري على سلاسل الإمداد في آسيا وأوروبا.

لكن الأثر لا يتوقف عند سوق النفط. فارتفاع أسعار الطاقة ينتقل بسرعة إلى التضخم العام، خاصة في اقتصادات لم تستكمل بعد معركتها ضد التضخم السابق. هذا يعيد البنوك المركزية، من الاحتياطي الفدرالي إلى البنك المركزي الأوروبي، إلى مربع الحذر، ويؤجل أي مسار لتخفيف السياسة النقدية. بل قد يفرض تشدداً أطول مما كان متوقعاً.

في سوق السندات، ترتفع عوائد الديون طويلة الأجل تحسباً لضغوط تضخمية ممتدة. في سوق العملات، تتعرض عملات الدول المستوردة للطاقة لضغوط إضافية، بينما تستفيد عملات الدول المصدرة مؤقتاً. في أسواق الأسهم، تتسع علاوات المخاطر وتنخفض تقييمات القطاعات الحساسة للطاقة والنقل، في حين ترتفع أسهم الطاقة والدفاع.

الصدمة هنا ليست قطاعية، بل نظامية. لأن الطاقة هي مدخل إنتاج أساسي، فإن ارتفاع كلفتها يعيد تسعير الاقتصاد بأكمله. كل سلعة تقريباً تحتوي على عنصر طاقة في إنتاجها أو نقلها. لذلك يتحول الإغلاق البحري من حدث جيوسياسي إلى متغير كلي يؤثر في النمو، والتضخم، والاستقرار المالي.

والأهم أن استمرار الإغلاق، ولو لفترة محدودة، يخلق سابقة خطيرة في تسعير المخاطر الجيوسياسية. فالسوق لا يسأل فقط: كم سيستمر التعطيل؟ بل يسأل أيضاً: هل أصبح أمن الممرات البحرية متغيراً غير مضمون في النظام الاقتصادي العالمي؟ هذا السؤال وحده كفيل بإبقاء علاوة المخاطر مرتفعة حتى بعد إعادة فتح الممر.

في البيئة الماكرو اقتصادية الحالية، صدمات الطاقة ليست أحداثاً عابرة. إنها تدخل مباشرة في عوائد السندات، وفروقات العملات، وتقييمات الأسهم، وتوقعات السياسة النقدية. وحين تتحول الجغرافيا السياسية إلى قيد فعلي على تدفق الطاقة، يصبح الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة وأكثر حساسية لأي تصعيد إضافي.

القناة الثانية تمر عبر النظام المالي العالمي. رغم كل المحاولات، لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تمتلك نفوذاً استثنائياً عبر منظومة الدولار وآليات العقوبات التي يديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. في المدى القصير، يعزز التصعيد مكانة الدولار كملاذ آمن، وتتدفق رؤوس الأموال نحو سندات الخزينة الأمريكية. لكن المفارقة تكمن في أن استخدام العقوبات كأداة ضغط متكررة يدفع عدداً من القوى الدولية إلى البحث عن بدائل، ولو تدريجية، للنظام المالي المتمركز حول الدولار. تكتلات مثل بريكس لا تملك اليوم القدرة المؤسسية لإزاحة الدولار، لكنها تجد في كل تصعيد حافزاً إضافياً لتجريب أنظمة تسوية بديلة، وتعزيز احتياطاتها من الذهب، وتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية. هكذا يتعزز الدولار في المدى القصير، بينما تتزايد نقاشات تقليص الاعتماد عليه في المدى البعيد.

أما القناة الثالثة فهي إعادة التموضع الجيوسياسي. ارتفاع أسعار النفط يمنح الدول المصدّرة متنفساً مالياً مؤقتاً، لكنه يضغط على الدول المستوردة، خاصة في أوروبا وآسيا. الصين، باعتبارها أحد أكبر مستوردي النفط الإيراني بشكل مباشر أو غير مباشر، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة بين أمن الطاقة والحسابات الاستراتيجية. روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة ومن تشتيت الاهتمام الغربي. ودول الخليج تتحرك بين متطلبات التحالفات الأمنية وضرورات الاستقرار الإقليمي. نحن أمام مشهد متعدد الأقطاب، لا يمكن اختزاله في ثنائية تقليدية.

الأسواق المالية تعكس هذه التوترات بسرعة. الذهب يرتفع باعتباره تحوطاً ضد التضخم وضد المخاطر النظامية. هوامش المخاطر في الأسواق الناشئة تتسع. تكاليف التأمين ترتفع. شركات النقل والطيران تتأثر سلباً، بينما تستفيد قطاعات الدفاع والطاقة. لا يحتاج الأمر إلى حرب واسعة كي تحدث هذه التحولات؛ يكفي ارتفاع منسوب عدم اليقين.

لكن المسألة الأعمق ليست في حركة الأسعار اللحظية. السؤال الحقيقي هو: هل يتحول هذا التصعيد إلى عنصر دائم في تسعير المخاطر العالمية؟ خلال العقود الثلاثة الماضية، بُنيت العولمة على افتراض الاستقرار النسبي وحرية تدفق التجارة ورأس المال. اليوم، تتزايد مؤشرات أن الجغرافيا السياسية لم تعد استثناءً عابراً، بل أصبحت محدداً هيكلياً. سلاسل الإمداد يعاد النظر فيها من منظور أمني. السياسات الصناعية تأخذ طابعاً دفاعياً. العقوبات تتكاثر وتتعقد. المخاطر لم تعد طارئة؛ بل مؤسسية.

بالنسبة إلى الدول الهشة مالياً، تبدو الصورة أكثر حساسية. الاقتصادات ذات الاعتماد المرتفع على الاستيراد، أو المثقلة بالديون الخارجية، أو ذات الهشاشة النقدية، تتلقى الصدمات بسرعة. ترتفع كلفة الطاقة، وتتسع فروقات العائد على ديونها السيادية، وتصبح مفاوضاتها مع المؤسسات الدولية أكثر تعقيداً. الصدمة الخارجية لا تخلق الهشاشة، لكنها تكشفها وتضاعف آثارها.

العالم ليس على حافة انهيار اقتصادي شامل. لكن من الواضح أنه يدخل مرحلة تتسم بارتفاع دائم في منسوب المخاطر السياسية. ثلاث طبقات تتداخل اليوم: صدمة آنية في الأسواق، ضغوط تضخمية متوسطة المدى، وتفتت تدريجي في بنية النظام الاقتصادي العالمي. كل تصعيد جديد يضيف حجراً في جدار الانقسام العالمي، ويجعل كلفة العودة إلى الاستقرار أعلى.

إذا بقيت المواجهة ضمن حدود يمكن احتواؤها، ستعيد الأسواق تموضعها تدريجياً، وستتراجع علاوة المخاطر، وتستأنف السياسات النقدية مسارها. أما إذا اتسع نطاق التصعيد عبر تعطيل الملاحة، أو توسيع العقوبات، أو انتقال المواجهة إلى ساحات إضافية، فإن الثمن لن يقتصر على أسعار النفط. بل سيظهر في شكل تباطؤ نمو عالمي، وارتفاع دائم في علاوات المخاطر، وتسارع في إعادة تشكيل النظام المالي الدولي.

في النهاية، ليست الصواريخ وحدها ما يغيّر المعادلات. بل الطريقة التي يستوعب بها الاقتصاد العالمي آثارها. فالأسواق تستطيع امتصاص الصدمات المؤقتة، لكنها تجد صعوبة في التعايش مع عدم يقين مستدام. وحين يتحول عدم اليقين إلى عنصر دائم في التوقعات، يصبح مكلفاً للغاية إزالته.