تخطي إلى المحتوى
تحليل

حين تعود الوديعة للمودع، هل يعود المال إلى المصرف والى الاقتصاد الوطني؟

حين تعود الوديعة للمودع، هل يعود  المال إلى المصرف والى الاقتصاد الوطني؟

من إدارة الأموال إلى إدارة المعلومات: لماذا لا يكفي قانون الفجوة لاستعادة الثقة؟

هناك فرق جوهري بين أن يستعيد المودع جزءاً من أمواله، وأن يستعيد ثقته بالمصرف الذي احتجزها سنوات. وقد يكون هذا الفرق، أكثر من أي رقم في قانون الفجوة المالية، هو الذي سيحدد ما إذا كانت معالجة الأزمة المصرفية ستعيد الحياة إلى القطاع أم ستتحول، paradoxically، إلى آلية منظّمة لخروج الأموال منه. فالقانون هو نصوص، أما الثقة فهي في النفوس.

يمكن للمشرّع أن يحدد الحقوق والالتزامات، وأن يضع سلّماً لتوزيع الخسائر، وأن ينظّم آليات استرداد الودائع، وأن يحدد مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف. ويمكن للسلطة النقدية أن تصدر التعاميم وأن تنشئ الحسابات والمنصات وقواعد البيانات وآليات التتبع. لكن لا القانون ولا التعميم يستطيعان إلزام المودع بأن يثق مجدداً بالمصرف، أو أن يعيد إليه الدولار الذي استرده منه بعد سنوات من الانتظار.

وهنا تحديداً قد تكمن المرحلة الأصعب من الأزمة اللبنانية: ليست فقط كيفية إعادة الأموال إلى المودعين، بل ماذا سيفعل المودعون بهذه الأموال عندما تعود إليهم.

- من التعميم 150 إلى 165: بناء نظام مصرفي موازٍ

منذ بداية الأزمة، لم تُعالج العلاقة بين المودع والمصرف من خلال إعادة بناء النظام المصرفي القديم، بقدر ما جرى إنشاء طبقات جديدة داخله.

شكّل التعميم الأساسي 150 محطة مفصلية عندما ميّز عملياً بين الأموال القديمة والأموال الجديدة أو ما أصبح يعرف بالـFresh Dollars. وقد سمح ذلك بعودة محدودة للوظيفة المصرفية، لكن ضمن نظام مختلف عن النظام الذي كانت فيه الودائع القديمة عالقة.

ثم جاء التعميم 165 ليضيف بنية تشغيلية جديدة تسمح بالتسويات والمدفوعات بالدولار النقدي ضمن القطاع المصرفي وتحت مظلة مصرف لبنان. وهكذا بدأ يتشكل تدريجياً نظام مصرفي موازٍ داخل النظام المصرفي نفسه: أموال جديدة تتحرك وفق قواعد جديدة، إلى جانب كتلة ضخمة من الودائع القديمة التي بقيت خاضعة لقيود استثنائية. هذه البنية ساعدت على إعادة جزء من وظيفة الدفع والتسوية إلى القطاع، لكنها لم تعالج المشكلة الأصلية: العلاقة المكسورة بين المودع والمصرف.

- التعميم 174: من تشغيل الأموال إلى تشغيل المعلومات

من هذه الزاوية، يجب قراءة التعميم الأساسي 174. فهو لا يستكمل الحاجة التشغيلية للتعميم 165 بالمعنى نفسه، بل ينقلها إلى مستوى مختلف: من تشغيل الأموال إلى تشغيل المعلومات عن الأموال وأصحابها.

المصارف اللبنانية تعرف عملاءها أصلاً. لكل مصرف أنظمته الداخلية للتعرف إلى العميل، وملفه، وبياناته، وحساباته وعلاقاته المالية. لكن هذه المعرفة بقيت، تاريخياً، متمركزة داخل كل مصرف على حدة.

الجديد في المقاربة التي يفتحها التعميم 174 هو الانتقال باتجاه رؤية أكثر مركزية للمودع وعلاقاته عبر القطاع المصرفي.

وهنا يجب التمييز بين أمرين مختلفين. الـIBAN يعرّف الحساب المصرفي بصورة معيارية ويسهّل تحديد المصرف والحساب في عمليات الدفع والتحويل، لكنه ليس بحد ذاته هوية موحدة للمودع على مستوى القطاع. أما إنشاء معرف مركزي موحد للمودع، إذا طُبق بهذه الوظيفة، فينقل القدرة على التعرف إليه من مستوى العلاقة المنفردة بينه وبين مصرفه إلى مستوى يسمح للسلطة النقدية بتجميع أو مطابقة علاقاته المصرفية عبر القطاع.

وهذا تطور بالغ الأهمية، لأن استرداد الودائع، وتطبيق الشرائح، والحدود، والاستثناءات، وأي معالجة مستقبلية للفجوة المالية قد تحتاج إلى معرفة من يملك ماذا وأين، وليس فقط ماذا يوجد في حساب منفرد لدى مصرف منفرد. لذلك يمكن النظر إلى 174 باعتباره جزءاً من البنية المعلوماتية اللازمة لإدارة مرحلة ما بعد تحديد حقوق المودعين.

- ولكن معرفة المودع لا تعني استعادة ثقته

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. قد تنجح الدولة في معرفة الحجم الإجمالي لعلاقة المودع بالقطاع. وقد تتمكن من منع ازدواجية الاستفادة أو التحايل بين المصارف. وقد يصبح تطبيق قانون الفجوة أكثر دقة وعدالة من الناحية التقنية. لكن كل ذلك يجيب عن سؤال: كيف يصل المال إلى المودع؟ ولا يجيب عن السؤال الأكثر أهمية اقتصادياً: ماذا سيفعل المودع بالمال بعد أن يصل إليه؟ وهذه ليست مسألة تفصيلية. لأن الدولار المسترد سيكون أمام ثلاثة مسارات رئيسية: أن يبقى داخل النظام المصرفي، أو أن يتحول إلى نقد ويبقى متداولاً داخل الاقتصاد اللبناني، أو أن يخرج من لبنان. والفارق بين هذه المسارات الثلاثة هو الفارق بين استرداد الودائع باعتباره بداية تعافٍ مالي واستردادها باعتباره بداية موجة جديدة من تفريغ المصارف من السيولة..

- المفارقة: نجاح القانون قد يكشف فشل الثقة

لنفترض أن قانون الفجوة نجح في إنشاء آلية قانونية قابلة للتطبيق، وأن المودعين بدأوا فعلاً باسترداد أموالهم. من الناحية القانونية، يكون ذلك نجاحاً. لكن ماذا لو كان أول تصرف عقلاني للمودع بعد استلام الدولار هو سحبه نقداً؟ وماذا لو نقل المودع القادر أمواله إلى الخارج؟ وماذا لو اعتبر المودع أن استرداد أمواله فرصة أخيرة للخروج من علاقة مصرفية لم يعد يثق بها؟ عندها نكون أمام مفارقة شديدة الأهمية: قد ينجح قانون استرداد الودائع في إعادة المال إلى المودع، لكنه يفشل في إعادة المال إلى النظام المصرفي.

وهذا ليس تناقضاً. فالحقوق القانونية شيء، والسلوك الاقتصادي شيء آخر. المودع الذي انتظر سنوات للوصول إلى ماله لن يتعامل معه بالضرورة كما كان يتعامل مع وديعته قبل 2019. الدولار الذي يعود بعد أزمة ثقة طويلة يحمل في داخله ذاكرة الأزمة. ولذلك فإن ميل المودع إلى السيولة، أو إلى الاحتفاظ بالنقد، أو إلى تحويل الأموال إلى الخارج، ليس مجرد قرار مالي؛ إنه في جزء كبير منه تصويت على الثقة بالنظام.

- لحظة الاسترداد هي لحظة اختبار للمصارف

لهذا السبب، لا ينبغي التعامل مع استرداد الودائع باعتباره نهاية الأزمة. قد يكون في الحقيقة بداية الاختبار الحقيقي لإعادة هيكلة القطاع. فإذا استعاد مودع عشرة آلاف أو خمسين ألفاً أو مئة ألف دولار، ثم قرر إبقاء جزء منها كوديعة جديدة في مصرف لبناني، فهذا يعني أن شيئاً أساسياً قد تغير في توقعاته تجاه المستقبل. أما إذا كان رد فعله الأول هو: "أعطني مالي وسأغادر"، فإن المشكلة لم تعد في قانون الفجوة. المشكلة أصبحت في الثقة. وهنا تظهر أهمية الفصل بين إصلاح المصارف وإعادة بناء القطاع المصرفي.

إصلاح المصارف يمكن أن يتم مصرفاً بعد مصرف. مصرف قابل للاستمرار يعاد رسملته ويعود إلى العمل؛ مصرف يحتاج إلى دمج تتم معالجته؛ ومصرف غير قابل للاستمرار تتم تصفيته وفق القانون. ولا ينبغي أن ينتظر المصرف القابل للحياة معالجة أضعف مصرف في القطاع قبل أن يسمح له باستعادة وظيفته الاقتصادية. لكن الثقة لا تُبنى مصرفاً بعد مصرف بالطريقة نفسها. فالمواطن ينظر إلى النظام المصرفي بدرجة كبيرة كوحدة واحدة. وإذا بقيت صورة القطاع كله مرتبطة بالقيود وعدم اليقين وعدم القدرة على الوصول إلى الأموال، فقد يعاقب المودع المصرف الجيد والمصرف السيئ معاً.

إعادة الهيكلة مؤسساتية؛ أما الثقة فقطاعية.

- المطلوب ليس منع خروج الأموال بل إعطاءها سبباً للبقاء وهنا ينبغي الحذر من خطأ سياسي محتمل. إذا خافت السلطات من أن يؤدي استرداد الودائع إلى خروج السيولة من المصارف، فقد يكون الإغراء هو فرض المزيد من القيود أو إيجاد آليات جديدة لإبطاء حركة الأموال. لكن هذا يعيد إنتاج المشكلة نفسها. فالمودع الذي لا يبقي أمواله في المصرف طوعاً لن يستعيد ثقته به إذا مُنع من إخراجها. بل العكس هو الأقرب إلى الحدوث: كل قيد جديد يهدف إلى حماية السيولة قد يتحول إلى دليل إضافي للمودع على أن السيولة غير آمنة.

لذلك فإن الهدف الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون منع الأموال من الخروج، بل جعل بقاء الأموال داخل القطاع خياراً عقلانياً. وهذا يتطلب مصارف قابلة للحياة فعلاً، ورسملة حقيقية، وسيولة يمكن اختبارها، وقواعد واضحة لحماية الأموال الجديدة، وحوكمة قابلة للمساءلة، وإشرافاً مصرفياً ذا مصداقية، وقضاءً قادراً على حماية الحقوق، والأهم من ذلك كله: أن يعرف المودع مسبقاً ماذا يحدث لأمواله إذا تعرض المصرف لمشكلة جديدة.

- من استرداد الودائع إلى إعادة الوساطة المالية

المشكلة الاقتصادية في لبنان لا تنتهي عندما تنتقل الأموال من حساب "قديم" إلى يد المودع. التعافي يبدأ عندما تصبح هذه الأموال مستعدة للدخول مجدداً في الدورة المالية الرسمية: كودائع قابلة للاستخدام، ومدخرات، وتمويل، وائتمان، واستثمار. وهذا هو الفرق بين رد الودائع وإعادة الوساطة المالية. يمكن للأولى أن تحدث بقانون. أما الثانية فتحتاج إلى ثقة.

وإذا لم تحدث الثانية، سيبقى الاقتصاد اللبناني شديد الاعتماد على النقد، وستظل المصارف محدودة القدرة على خلق الائتمان وتمويل الاستثمار، وسيبقى الجزء الأكبر من الحركة المالية منفصلاً عن الوظيفة المصرفية التقليدية. وعندها نكون قد عالجنا جانباً من إرث الأزمة من دون أن نبني النظام المالي الذي يفترض أن يأتي بعدها.

- الاختبار الحقيقي للتعميم 174

من هنا أيضاً ينبغي الحكم على التعميم 174. قيمته لن تكون فقط في مقدار المعلومات التي يستطيع مصرف لبنان جمعها، ولا في دقة التعرف إلى المودعين وحساباتهم وعلاقاتهم عبر المصارف. الاختبار الحقيقي هو: ماذا ستفعل الدولة بهذه المعرفة؟ إذا استُخدمت البنية المعلوماتية لضمان العدالة، ومنع الازدواجية، وتحسين الرقابة، وتطبيق الحقوق بصورة متساوية وشفافة، فقد تصبح جزءاً من إعادة بناء الثقة.

أما إذا شعر المودع بأن الدولة أصبحت تعرف عنه أكثر بينما لا تزال حقوقه غير واضحة، فإن زيادة القدرة على الرؤية من جانب السلطة لن تؤدي بالضرورة إلى زيادة الثقة من جانب المواطن. وهذه معادلة حساسة للغاية: كلما ازدادت قدرة الدولة على معرفة أموال المواطن، ازدادت مسؤوليتها عن إقناعه بأن هذه المعرفة ستستخدم لحماية حقوقه، لا للتحكم بها.

- القانون يعيد المال للمودع والثقة تعيده إلى المصرف والاقتصاد الوطني

قد يكون قانون الفجوة ضرورياً. وقد يكون قانون إصلاح المصارف ضرورياً. وقد تكون التعاميم 150 و165 و174 أجزاء ضرورية من البنية التشغيلية والرقابية للنظام المالي الجديد. لكن أياً منها، منفرداً أو مجتمعاً، لا يستطيع إصدار تعميم اسمه "الثقة". هذه هي الحلقة التي لا تُكتب في الجريدة الرسمية. يمكن للقانون أن يحدد كيف يسترد المودع أمواله، ومتى، وبأي أداة، وضمن أي شريحة. ويمكن لمصرف لبنان أن يعرف الحسابات وأصحابها وحركة الأموال بينها. ويمكن للسلطات أن تعيد هيكلة المصارف وتصفي غير القابل منها للحياة. لكن عندما يصل الدولار أخيراً إلى المودع، تنتهي سلطة القانون تقريباً وتبدأ سلطة الثقة.

عندها سيقرر المودع وحده: هل يترك الدولار في المصرف؟ هل يسحبه ويحتفظ به نقداً؟ أم يرسله إلى الخارج؟

ولهذا فإن المقياس النهائي لنجاح الإصلاح المالي اللبناني لن يكون فقط كم دولاراً استرده المودعون، بل كم دولاراً استرده المودعون ثم اختاروا، بإرادتهم، أن يعهدوا به مجدداً إلى النظام المصرفي.

فالنجاح الحقيقي ليس أن نعيد الوديعة إلى صاحبها فحسب. النجاح هو أن نعيد إلى صاحب الوديعة سبباً يجعله يريد أن يصبح مودعاً من جديد.