تدخل أسعار الذهب مرحلة حساسة مع استمرار تداول الذهب XAU/USD دون مستوى 4450 دولارًا للأونصة، في وقت تتجه فيه أنظار الأسواق إلى بيانات التضخم الأمريكية التي قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. ومن وجهة نظري، فإن حركة الذهب الحالية لا تعكس ضعفًا جوهريًا في الطلب على المعدن النفيس بقدر ما تعكس حالة من الحذر وإعادة التموضع من جانب المستثمرين، خصوصًا بعدما أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة قدرًا من المرونة في سوق العمل الأمريكي، الأمر الذي أعاد النقاش حول قدرة الاحتياطي الفيدرالي على الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشددًا لفترة أطول.
الذهب تمكن من استعادة قدر محدود من الزخم الإيجابي مع بداية تداولات الثلاثاء، مستفيدًا من تراجع الدولار الأمريكي من أعلى مستوياته الأخيرة، إلا أن هذا التعافي لا يزال يفتقر إلى المحفز الأساسي القادر على تحويله إلى موجة صعود مستدامة. وفي تقديري، فإن المشكلة الرئيسية أمام الذهب في الوقت الحالي تتمثل في تداخل عاملين متعارضين؛ الأول يتمثل في المخاطر الجيوسياسية التي تعزز الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم أصول الملاذ الآمن، والثاني يتمثل في ارتفاع احتمالات استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة، وهو عامل يرفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب غير المدر للعائد.
وتكتسب بيانات التضخم الأمريكية أهمية استثنائية في هذه المرحلة، ولا سيما مؤشر أسعار المستهلكين CPI ومؤشر أسعار المنتجينPPI، لأن الأسواق لا تبحث فقط عن أرقام ضعيفة أو قوية، وإنما تحاول تحديد الاتجاه المستقبلي للسياسة النقدية الأمريكية. فإذا أظهرت بيانات التضخم استمرار الضغوط السعرية، فقد تتراجع توقعات خفض الفائدة أو حتى ترتفع الرهانات على بقاء السياسة النقدية أكثر تشددًا، وهو سيناريو من شأنه دعم الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، وبالتالي زيادة الضغوط على الذهب. أما إذا جاءت البيانات أقل من المتوقع وأكدت استمرار تباطؤ التضخم، فقد نشهد إعادة تسعير سريعة لتوقعات الفائدة، بما يضغط على الدولار والعوائد ويفتح المجال أمام الذهب لاستعادة زخمه الصاعد.
وأرى أن بيانات الوظائف الأمريكية الأخيرة زادت من تعقيد المشهد بالنسبة للذهب، إذ إن قوة سوق العمل تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتحرك بحذر وعدم التعجل في تخفيف السياسة النقدية. وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعلني أتعامل مع أي ارتفاع حالي في أسعار الذهب باعتباره حركة تحتاج إلى تأكيد، وليس بالضرورة بداية مؤكدة لموجة صعود جديدة. فالمعدن النفيس يستطيع الاستفادة من ضعف الدولار، لكن استمرار هذا الضعف يحتاج إلى محفز اقتصادي واضح، وفي مقدمة هذه المحفزات تأتي بيانات التضخم وما ستنتجه من تغيرات في توقعات أسعار الفائدة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الجيوسياسي، خصوصًا مع استمرار التوترات المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران والمخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة في منطقة الخليج. ومن وجهة نظري، فإن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يمثل عنصر دعم مهمًا للذهب، لكنه قد لا يكون كافيًا وحده لدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة إذا تزامن مع ارتفاع قوي في الدولار وعوائد السندات الأمريكية. فالمستثمرون في أوقات الأزمات لا يتجهون إلى الذهب فقط، بل قد يرفعون أيضًا حيازاتهم من الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا وسيولة عالمية، ولذلك يمكن أن تتعارض التدفقات إلى الذهب مع التدفقات إلى العملة الأمريكية.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل عاملًا مزدوج التأثير على الذهب. فمن جهة، قد يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة مخاوف التضخم، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى التحوط عبر الذهب. ومن جهة أخرى، فإن استمرار التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشددًا، بما يدعم الدولار ويضغط على الذهب. ولذلك أرى أن تفسير تأثير أسعار النفط على المعدن النفيس يجب ألا يكون مباشرًا، بل ينبغي ربطه أولًا برد فعل الاحتياطي الفيدرالي والأسواق على البيانات التضخمية.
أما بالنسبة لتوقعاتي لتحركات الذهب، فأعتقد أن مستوى 4450 دولارًا سيظل محورًا مهمًا في تحديد الاتجاه قصير الأجل. استمرار التداول دونه يعني أن المشترين لم يتمكنوا حتى الآن من تحويل التعافي إلى اختراق فني واضح، ولذلك فإن أي صعود باتجاه هذا المستوى قد يواجه عمليات جني أرباح أو بيع جديدة ما لم تدعم البيانات الاقتصادية هذا التحرك. وفي المقابل، فإن اختراق 4450 دولارًا والثبات فوقه سيكون إشارة أكثر إيجابية، لأنه سيعكس تحسنًا واضحًا في شهية المخاطرة تجاه الذهب وقد يدفع المستثمرين إلى استهداف مستويات أعلى، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع انخفاض الدولار وتراجع عوائد السندات.
وفي السيناريو المعاكس، إذا جاءت بيانات التضخم الأمريكية أعلى من التوقعات وأعادت الأسواق إلى تسعير مسار أكثر تشددًا للفائدة، فإن الذهب سيكون معرضًا لموجة جديدة من الضغوط البيعية، خاصة إذا استعاد مؤشر الدولار قوته وارتفعت عوائد سندات الخزانة. وفي هذه الحالة، لن يكون التراجع بالضرورة دليلًا على تغير الاتجاه طويل الأجل للذهب، وإنما قد يمثل مرحلة تصحيح وإعادة تقييم للتوقعات النقدية.
وبناءً على ذلك، أميل حاليًا إلى تبني رؤية محايدة تميل إلى الحذر على المدى القصير، مع الاحتفاظ بنظرة إيجابية مشروطة على الذهب إذا نجح في تجاوز مقاومة 4450 دولارًا مدعومًا ببيانات تضخم أكثر اعتدالًا. أما قبل تحقق هذا الشرط، فأرى أن المخاطرة في مطاردة الارتفاعات تظل مرتفعة، لأن السوق قد يشهد تحركات حادة في الاتجاهين فور صدور بيانات CPI و PPI. وبالتالي، فإنني أعتقد أن المرحلة الحالية ليست مرحلة البحث عن اتجاه مسبق بقدر ما هي مرحلة انتظار للمحفز الذي سيحدد الاتجاه القادم.
وفي تقديري، ستظل المعادلة الأساسية التي تحكم أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة قائمة على ثلاثة محاور رئيسية: التضخم الأمريكي، ومسار أسعار الفائدة، واتجاه الدولار. وكلما مالت هذه العوامل نحو انخفاض العوائد وضعف العملة الأمريكية، ازدادت فرص الذهب في استعادة قوته، بينما سيؤدي استمرار التضخم وارتفاع توقعات الفائدة إلى إبقاء الضغوط قائمة. لذلك، فإن تجاوز الذهب لمستوى 4450 دولارًا سيكون بالنسبة لي إشارة مهمة على تحسن الصورة الفنية والأساسية معًا، في حين أن الفشل المتكرر في اختراقه سيبقي السوق عرضة لمزيد من التذبذب والتصحيح.
وفي النهاية، أرى أن الذهب لا يزال يمتلك مقومات صعود قوية على المدى المتوسط، لكن الطريق نحو مستويات أعلى لن يكون مستقيمًا، وستظل بيانات الاقتصاد الأمريكي والسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي العامل الحاسم في تحديد توقيت الموجة الصاعدة المقبلة.