تخطي إلى المحتوى
تحليل

حين يصبح الشريك خصماً.. أميركا وكندا في حرب تجارية لا رابح فيها

حين يصبح الشريك خصماً..  أميركا وكندا في حرب تجارية لا رابح فيها

ما يجري بين الولايات المتحدة وكندا لم يعد مجرد خلاف على الرسوم الجمركية. إنها مواجهة اقتصادية تتسع تدريجياً بين بلدين يفترض أن يكونا من أكثر الشركاء التجاريين ترابطاً، لكنهما يجدان نفسيهما اليوم يستخدمان التجارة للضغط على بعضهما البعض.

في الظاهر، تبدو المعادلة بسيطة. واشنطن تفرض رسوماً على السلع الكندية، وأوتاوا ترد برسوم على المنتجات الأميركية. لكن خلف هذه المعادلة اقتصادان متداخلان إلى درجة تجعل من الصعب على أي طرف أن يوجه ضربة إلى الآخر من دون أن يتحمل جزءاً من كلفتها.

آخر جولة من التصعيد بدأت مع دخول الرسوم الكندية الانتقامية حيز التنفيذ على سلع أميركية تبلغ قيمتها نحو 28 مليار دولار كندي، أي قرابة 20 مليار دولار أميركي، وبنسب تصل إلى 50%. وتأتي هذه الإجراءات رداً على رسوم أميركية طالت مجموعة من المنتجات الكندية، بينها السيارات والشاحنات والصلب والألمنيوم والأخشاب.

لكن الرقم الذي يشرح حجم العلاقة بين البلدين ليس 20 مليار دولار، بل نحو 900 مليار دولار، وهي قيمة التجارة الثنائية في عام 2025.

هذا الحجم يجعل الحديث عن “حرب” بين اقتصادين منفصلين أمراً مضللاً. الولايات المتحدة وكندا لا تتبادلان المنتجات فقط، انما تتقاسمان سلاسل إنتاج وأسواقاً واستثمارات ووظائف.من هنا فإن استخدام الرسوم الجمركية كسلاح يشكل مشكلة للبلدين معاً . اذ حين تفرض الولايات المتحدة رسماً على منتج كندي، فإن التكلفة لا تبقى بالضرورة في كندا. المستورد الأميركي قد يدفع الرسم، ثم يحاول تحميل جزء منه للشركة أو المستهلك. وإذا ارتفعت تكلفة المواد أو المكونات القادمة من كندا، فقد ترتفع تكلفة المنتج الأميركي نفسه. والأمر ينطبق على كندا أيضاً. فالرسوم التي تفرضها أوتاوا على السلع الأميركية قد تحمي بعض المنتجين المحليين على المدى القصير، لكنها قد تجعل المنتجات المستوردة أكثر تكلفة بالنسبة إلى الشركات والمستهلكين الكنديين.

بمعنى آخر، الرسوم الجمركية يمكن أن تكون أداة ضغط سياسية، لكنها ليست أداة مجانية اقتصادياً. وهذا ما يفسر أيضاً لماذا بدأت الحكومة الكندية في تعديل بعض إجراءاتها. فقد أزيلت منتجات من قطاع المأكولات البحرية من قائمة الرسوم بعد اعتراضات من الصناعة الكندية، خصوصاً أن تجارة جراد البحر بين البلدين تعتمد على سلاسل معالجة مشتركة. فجزء من جراد البحر الذي يصطاد في الولايات المتحدة يُرسل إلى كندا للمعالجة، قبل أن يعود إلى السوق الأميركية.

المشهد هنا يلخص مشكلة الحرب التجارية بأكملها: محاولة معاقبة الطرف الآخر يمكن أن تصيب قطاعاً محلياً في الطريق. ومع ذلك، لا تبدو أوتاوا مستعدة للتراجع بسهولة. الحكومة الكندية تقول إنها تريد اتفاقاً تجارياً “دائماً” يخدم مصالح البلدين، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن كندا لن تبقى بلا رد على الإجراءات الأميركية.

رئيس الوزراء مارك كارني قال إن بلاده مستعدة للجلوس إلى طاولة المفاوضات عندما تكون الولايات المتحدة مستعدة لذلك. لكن المفاوضات انهارت في أواخر الشهر الماضي ، ولم تظهر مؤشرات واضحة على استئنافها.

واشنطن، من جهتها، تقدم رواية مختلفة. الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير قال إن الولايات المتحدة قدمت لكندا أفضل اتفاق ممكن، وإن أوتاوا رفضته. كما حذر من أن استمرار الرد الكندي قد يدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات إضافية ضد المنتجات الكندية.

وهكذا تحولت المفاوضات نفسها إلى جزء من لعبة الضغط! كل طرف يريد أن يظهر أن الطرف الآخر هو من أغلق الباب.

لكن الحرب لم تعد محصورة في الحاويات التي تعبر الحدود. فقد دخلت الشركات الكبرى إلى قلب المواجهة. أوضح مثال ، شركة صناعة الطائرات الكندية، بومبارديبه ، بعد ان هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنعها من البيع في السوق الأميركية إذا لم تنقل مزيداً من التصنيع إلى الولايات المتحدة. ولو كان التهديد يبدو موجهاً إلى شركة كندية. لكن عند النظر إلى خريطة أعمال بومباردييه، تصبح الصورة أكثر تعقيداً. الشركة لديها عمليات في عدد من الولايات الأميركية، بينها كانساس وتكساس وفلوريدا وأريزونا وكونيتيكت وإلينوي وغيرها، وتوظف آلاف الأميركيين. كما أن لديها مصنعاً في في ولاية كانساس يبني طائرات للمهام الخاصة والعسكرية. لذلك فإن الضغط على شركة بومباردييه لا يتعلق فقط بعلاقة واشنطن بشركة كندية، بل يكشف إلى أي حد أصبحت الحدود الاقتصادية بين البلدين أقل وضوحاً مما تبدو عليه سياسياً.

الشركة نفسها تقول إن عملياتها في الولايات المتحدة تولد عشرات الآلاف من الوظائف الأميركية من خلال وجودها المتنامي هناك، وإنها ستواصل الاستثمار في موظفيها وعملائها والمجتمعات التي تعمل فيها.

هذه الحالة ليست استثناءً. قطاع السيارات، على سبيل المثال، يعتمد منذ عقود على شبكة إنتاج مشتركة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وكذلك قطاعات الطيران والطاقة والصناعة والزراعة. ولهذا فإن تفكيك هذه العلاقة ليس قراراً سهلاً حتى لو كانت هناك رغبة سياسية في ذلك.

كندا بدأت بالفعل محاولة تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. فقد تحدث كارني عن ضرورة تنويع الأسواق التجارية، وأظهرت البيانات أن حصة الصادرات الكندية المتجهة إلى الولايات المتحدة انخفضت إلى 66%، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 75% قبل الحرب التجارية.

لكن هذا التغيير لا يعني أن كندا تستطيع ببساطة استبدال السوق الأميركية بأسواق أخرى. القرب الجغرافي، وحجم الاقتصاد الأميركي، والبنية التحتية وسلاسل التوريد التي تطورت على مدى عقود تجعل الولايات المتحدة شريكاً يصعب تعويضه بسرعة.

وفي الوقت نفسه، تظهر الأرقام الكندية صورة اقتصادية مختلطة . اذ ان الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 3.3% في الربع الثاني، كما أضاف الاقتصاد نحو 181 ألف وظيفة بين أبريل ويوليو. لكن أغسطس حمل خسارة بنحو 41 ألف وظيفة، في وقت كانت فيه الرسوم الأميركية والمفاوضات التجارية المتعثرة تلقي بظلالها على الاقتصاد.

أما في قطاع التصنيع، فظهرت زيادة محدودة، تعزوها الحكومة الكندية جزئياً إلى اتجاه المستهلكين والشركات نحو شراء المزيد من المنتجات المصنوعة محلياً. وهذا قد يكون أحد الآثار غير المباشرة للحرب التجارية! عندما تصبح المنتجات المستوردة أكثر تكلفة، يبدأ المستهلك في البحث عن بديل محلي. لكن حماية المنتج المحلي لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد كله يستفيد، فالشركات التي تعتمد على مواد أو مكونات مستوردة قد تجد نفسها أمام تكاليف أعلى أيضاً. وهنا يدخل المستهلك في قلب المعادلة. في الواقع ، لا يدفع المستهلك “رسماً جمركياً” على الورق، لكنه قد يدفع ثمنه في المتجر. ملابس أغلى، طعام أغلى، أثاث أو أجهزة منزلية بتكلفة أعلى، أو حتى منتجات محلية ترتفع أسعارها لأن مدخلات إنتاجها أصبحت أكثر كلفة.

لهذا حذرت غرفة التجارة الكندية من استمرار التصعيد، داعية إلى رد انتقائي بدلاً من حرب تجارية بلا نهاية. فالشركات تستطيع التعامل مع إجراءات محددة، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تصبح قواعد التجارة نفسها غير مستقرة.

وهذا هو الخطر الأكبر على الاقتصادين! ليس فقط حجم الرسوم، بل عدم اليقين.

عندما لا تعرف الشركة ما إذا كانت السلعة التي تستوردها اليوم ستخضع غداً لرسم جديد، يصبح الاستثمار أكثر صعوبة. وعندما لا تعرف أين ستصبح تكلفة الإنتاج أقل، قد تؤجل توسيع مصنع أو نقل خط إنتاج. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول حالة عدم اليقين إلى تكلفة اقتصادية بحد ذاتها.

في النهاية، تستطيع واشنطن أن تستخدم حجم اقتصادها للضغط على كندا، وتستطيع أوتاوا أن تستخدم الرسوم الانتقامية للرد. لكن هناك حقيقة يصعب تجاوزها: البلدان لا يتواجهان من خلف جدارين اقتصاديين منفصلين، بل داخل شبكة تجارية واحدة تقريباً. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس من يملك الرسوم الأقوى، ولا من يستطيع فرض تكلفة أكبر على الآخر. بل كم يستطيع كل طرف أن يدفع قبل أن تصبح كلفة الحرب أعلى من قيمة المكاسب التي يسعى إليها؟