تخطي إلى المحتوى
تحليل

دولة عميقة بصيغة الجمع: كيف صودر القرار السيادي في لبنان

دولة عميقة بصيغة الجمع:  كيف صودر القرار السيادي في لبنان

لا تحكم لبنان دولة عميقة واحدة، بل دول عميقة عدة. لكل منها وزراؤها ومصارفها وقضاتها وإعلامها، وفي حالة واحدة جيشها الخاص. قد تتنازع على كل شيء، لكنها تلتزم قاعدة واحدة حكمت البلد عقوداً: لا يمرّ قرار يكلّف أحداً منها شيئاً.

هذه القاعدة تفسّر كيف يُختار السياسيون. المعيار ليس الكفاءة ولا النزاهة، بل الجدارة بحماية شبكة: وزارة تُطعم زبائن طائفة، أو حقيبة تحمي مصرفاً، أو مقعد يعطّل قانوناً. فتصير كل وزارة إقطاعية، وكل إقطاعية حق نقض. وقد وصف البنك الدولي النتيجة بوضوح، إذ رأى أن الانهيار كساد متعمَّد هندسته نخبة استولت على الدولة وعاشت من ريعها. ومنحت منظمة الشفافية الدولية لبنان 23 نقطة من مئة، فجاء ترتيبه 153 بين 182 دولة، وهذا أدنى مستوى سجّله منذ اعتماد المؤشر بصيغته الحالية.

وأوضح دليل على ذلك ما يحدث حين يوزَّع قرار ما خسارةً على أحد. ففي كانون الأول 2025 أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون الفجوة المالية بأغلبية 13 صوتاً مقابل 9. وجاءت المعارضة من وزراء القوات اللبنانية ومن وزراء حزب الله معاً. هذان طرفان لا يتفقان تقريباً على شيء، وقد التقيا على تصويت واحد حين سُئل: من يدفع؟ هذه هي الدولة العميقة بصيغة الجمع: خصوم في كل الملفات، حلفاء عندما يتعلق الأمر بحماية جمهورهم من حكم يوزّع الخسائر. وما يلفت في صوت وزير المال المؤيد أنه خرج فيه عن حلفائه في حزب الله وحركة أمل. وبالمنطق نفسه يُفهم لماذا بقي اتفاق مستوى الخبراء الموقّع قبل أربع سنوات بلا تنفيذ لشروطه الأساسية.

حزب الله في الصدارة بمعيار الأثر

لن أرتّب الأطراف بحسب من سرق أكثر. هذا الحساب يخص الطبقة كلها، وموضعه القضاء. أرتّبهم بحسب من ألحق أكبر ضرر بقدرة الدولة على اتخاذ أي قرار.

بهذا المعيار يأتي حزب الله أولاً، لأنه الطرف الوحيد الذي يملك حق نقض مسنوداً بالسلاح في أكثر القرارات سيادية: الحرب والسلم. ففي آب 2025 كلّف مجلس الوزراء الجيش بوضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة، فأعلن الحزب أنه سيتعامل مع القرار كأنه غير موجود. وفي آذار 2026 حظر المجلس نشاط الحزب العسكري والأمني بعد عملية أُطلقت من الأراضي اللبنانية، وأكد رئيس الحكومة أن قرار الحرب والسلم يعود إلى الحكومة وحدها. وقال رئيس الجمهورية إن العملية ليست دفاعاً عن لبنان. دولة تحتاج إلى إذن من حزب لتدافع عن أرضها أو لتتفاوض على حدودها ليست دولة ذات سيادة بالمعنى المألوف، مهما ادّعت.

وهنا تلتقي الدولة العميقة المتعددة مع تهمة العجز. لا تستطيع دولة أن تنفّذ إصلاحاً، أو توقّع برنامجاً مع صندوق النقد، أو تقنع مستثمراً ومودعاً ومصرفاً مراسلاً بالثقة بها، ما دام فريق واحد قادراً على تعطيل قراراتها في أكبر أسئلتها. والسياسيون الذين يديرون هذا الترتيب ليسوا صدفة. إنهم موضوعون في أماكنهم ليُبقوه قائماً.

المطلوب...

لا أدعو إلى رجل قوي، بل إلى العكس: دولة تُلزم قراراتها الجميع، وتُنشر بتواريخها وأسمائها وأرقامها، ليعرف المواطن من عطّل ماذا. وإلى أن يسقط حق النقض في الحرب والسلم، وحق النقض في توزيع الخسائر، سيبقى كل وعد يصدر في بيروت مشروطاً بإذن من طرف آخر.