في كانون الأول ٢٠٢٣ انتقل سعر صرف الدولار على منصة صيرفة إلى ال ٨٩٥٠٠ ليرة. وأُقرّت موازنة ٢٠٢٤ على هذا السعر، ثم اعتُمد سعر الصرف هذا رسمياً في شباط ٢٠٢٤.
كان القرار في ظاهره نقدياً تقنياً، لكن أثره وصل إلى مائدة كل أسرة وفاتورة كل كهرباء ومياه وإلى قدرة كل مواطن على الاستهلاك والعيش بكرامة.
والمواطن الذي دفع الكلفة لا يطلب محاكمة، بل شرحاً. ولا يُطلب ذلك عن حقد بل عن حق: فالقرارات التي تعيد تسعير حياة الناس لا يصح أن تبقى بلا تعليل معلن.
لماذا القرار ليس تقنياً فقط؟
لأن سعر الصرف الرسمي ليس رقماً على شاشة. حين يُعتمد سعر ٨٩٥٠٠ ليرة في الموازنة والرسوم والفواتير والجبايات، ينتقل عبء التعديل إلى الأجور والادخار والاستهلاك. وإن كان في ذلك تصحيح لتشوّه قديم، فمن يتحمل كلفة التصحيح ومتى وكيف يجب أن يُعلَن ويُشرَح. وللمواطن الذي يتقاضى بالليرة، ولصاحب الحساب الدولاري القديم الذي يُسحب منه بسعر لا يعكس قيمة وديعته، أن يعرف ما الذي كان يُراد تحقيقه وما الذي حصل.
ما الذي يُطلب إيضاحه؟
نتوجه بالأسئلة إلى الدكتور وسيم منصوري والمجلس المركزي لمصرف لبنان ووزارة المالية، بوصفهم المؤسسات أصحاب القرار، ونطلب توضيحاً كاملاً متكاملاً:
- الأسباب الموجبة: ما الدافع إلى رفع سعر "منصة صيرفه" إلى هذا المستوى، وما البدائل التي دُرست قبل اعتماده؟
- توقّع التبنّي الحكومي: هل كان متوقعاً، أو معروفاً، أن الحكومة ستعتمد هذا السعر سعراً رسمياً في موازنتها؟ وإن كان كذلك، فهل أُجريت دراسة لأثره على المواطن وعلى الإيرادات والاستهلاك؟
- السحوبات من الحسابات الدولارية القديمة: هل كان واضحاً أن الضغوط التضخمية لن تسمح بربط هذه السحوبات بالسعر الجديد؟ وما الذي منع إعلان ذلك مسبقاً؟
- الأثر المعيشي: هل قُدّر الأثر على القدرة الاستهلاكية، ومنه أثر الفواتير والخدمات والرسوم؟ وما تقديرات مصرف لبنان لذلك حينها؟
- التنسيق مع السلطة التنفيذية: ما طبيعة التواصل مع وزارة المالية والحكومة قبل القرار وبعده؟
الحجة المقابلة
ولا يجوز تجاهل ما يُقال دفاعاً عن القرار: أن السعر الرسمي القديم كان وهمياً لا يعكس حقيقة الاقتصاد، وأن توحيد الأسعار ووقف الطباعة وإقفال منصة كانت مصدر هدر واستنزاف للاحتياطي كان جزءاً من ضبط الكتلة النقدية، وأن مصرف لبنان لا يقرر الموازنة، فالحكومة هي من أقرّت السعر في موازنتها ومجلس النواب وافق عليها. وهي حجج لها وزنها. غير أن وجاهتها لا تُعفي من الشرح، بل تزيد الحاجة إليه: فإن كان القرار صائباً، فالتوضيح يحصّن الثقة به، وإن كان فيه ما يُنتقد، فالمصارحة أفضل من الصمت.
الشفافية جزء من الإصلاح
يدور الإصلاح النقدي كله حول الثقة. ولا تُبنى الثقة بقرارات تصل إلى الناس ككلفة بلا تعليل. وفي الوقت الذي يُطلب فيه من المواطنين الصبر على الدولة وعلى المصارف، يحق لهم أن يطلبوا من المؤسسة التي أدارت سعر عملتهم أن تقول بصراحة: لماذا، وكيف، وما الذي كان يمكن فعله بشكل مختلف.
لا يطالب الشعب بالرأس بل بالرواية الكاملة. يطالب مصرف لبنان، والدكتور منصوري تحديداً، بتوضيح صريح وشفاف ومكتوب، يُنشر للجميع، عن الأسباب الموجبة لقرار غيّر قدرة اللبنانيين الشرائية وكرامة عيشهم. فمن حق من دفع الثمن أن يعرف لماذا دفعه.









