ليست المأساة في جنوب لبنان أن الحرب دمّرت المنازل والطرقات وإقتلعت البشر والشجر والحجر، فالحروب، مهما كانت أسبابها، تخلّف الخراب. المأساة الحقيقية أن الدولة اللبنانية لم تتعلم شيئًا من نصف قرن من الدمار، وما زالت تُعيد إنتاج النموذج نفسه: حرب، تعويضات، إعادة إعمار، ثم حرب جديدة.
واليوم، وبعد الحرب الأخيرة التي حوّلت عشرات البلدات الجنوبية إلى ركام، يعود الحديث عن مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، فيما يغيب النقاش حول القضية الجوهرية: كيف يمكن منع تكرار الكارثة، بدل الاكتفاء بدفع ثمنها في كل مرة؟
إن الأزمة ليست أزمة تمويل، بل أزمة إدارة ورؤية.
قبل أكثر من خمسين عامًا، لم يكن إنشاء مجلس الجنوب يهدف إلى تأسيس صندوق للتعويضات، بل إلى إطلاق مشروع إنمائي وطني متكامل. فقد أدرك وزير التصميم الراحل موريس الجميل أن حماية الحدود لا تتحقق بالسلاح وحده، بل ببناء اقتصاد منتج يجعل المواطن متمسكًا بأرضه، قادرًا على العيش من عمله، لا من المساعدات والتعويضات. كانت الفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: التنمية هي خط الدفاع الأول عن الوطن.
لكن هذه الرؤية أُجهضت مبكرًا، وتحول مجلس الجنوب، مع تعاقب الحروب وتراجع دور الدولة، إلى مؤسسة يقتصر دورها على معالجة نتائج الدمار بدل معالجة أسبابه. ولم يعد التخطيط للتنمية أولوية،بل أصبحت التعويضات وإعادة الإعمار النشاط الأساسي للمجلس وربما صندوق للمحسوبية والزبائنية والهدر المستمر، وهنا تكمن المعضلة.
لقد تحولت مؤسسة أنشأت لبناء الجنوب إلى إحدى أدوات النظام السياسي القائم على المحاصصة والوبائنية الزبائنية، حيث أصبحت أموال الدولة والإعمار في كثير من الأحيان جزءًا من منظومة النفوذ السياسي، بدل أن تكون رافعة للتنمية المستدامة. ومع كل حرب، كانت الأموال تُنفق لإعادة بناء ما تهدم، بينما تُهمل المشاريع التي تخلق فرص العمل وتؤسس لإقتصاد حقيقي قادر على الصمود.
إن اللبنانيين لم يعودوا بحاجة إلى إعادة إنتاج هذا النموذج الفاشل، بل إلى كسره نهائيًا.
فبعد أكثر من خمسة عقود، وبعد إنفاق مليارات الدولارات من الخزينة اللبنانية، ومن الصناديق العربية والدولية، ومن مختلف الجهات المانحة، لا يزال الجنوب يفتقر إلى المناطق الصناعية
الحديثة، وإلى مشاريع زراعية متطورة، وإلى بنية اقتصادية توفر فرص العمل لشبابه. وهذا ليس فشل الجنوب، بل فشل الدولة في إدارة موارده بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
إننا نرى أن أي حديث عن إعادة إعمار الجنوب لن تكون له قيمة إذا اقتصر على إعادة ترميم الحجر، فيما يبقى نموذج الإدارة نفسه قائمًا.
ومن هنا، ندعو إلى طي صفحة مجلس الجنوب بصيغته الحالية، وإنشاء "المؤسسة الوطنية للإنشاء والتنمية والعودة الكريمة"، كمؤسسة وطنية مستقلة، تنشأ بقانون خاص، وتعمل وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والمساءلة المعتمدة دوليًا، بعيدًا عن أي وصاية حزبية أو سياسية.
ونطالب بأن تخضع هذه المؤسسة لرقابة مالية وإدارية مستقلة، وبمشاركة هيئات رقابية وطنية ودولية، وأن ترتبط أي مساعدات أو تمويل خارجي بمعايير واضحة تضمن حسن إدارة الأموال، وتمنع استخدامها في الزبائنية السياسية أو في تكريس النفوذ الحزبي.
ولا ينبغي أن يقتصر دور المؤسسة الجديدة على إعادة بناء المنازل، بل أن تضع خطة وطنية متكاملة لإحياء الجنوب اقتصاديًا، من خلال إنشاء المناطق الصناعية، وتطوير الزراعة الحديثة، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، بما يخلق فرص عمل دائمة ويعيد الاعتبار إلى مفهوم التنمية المستدامة.
فالعودة الكريمة لا تتحقق بإعادة تسليم مفتاح منزل أعيد ترميمه، بل بتوفير مدرسة وجامعة ومستشفى وطريق وفرصة عمل، بما يجعل البقاء في الأرض خيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، لا مجرد شعار سياسي.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من سياسة إدارة الكوارث إلى سياسة صناعة الاستقرار، ومن اقتصاد التعويضات إلى اقتصاد الإنتاج، ومن مؤسسات تُستخدم لتوزيع النفوذ إلى مؤسسات تبني الإنسان والوطن.
فالجنوب لا يحتاج إلى موسم جديد من التعويضات، بل إلى مشروع وطني جديد يعيد إليه الحياة، ويعيد إلى الدولة دورها، ويضع حدًا لدورة الحرب والإعمار التي استنزفت لبنان لعقود طويلة. فإعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ عندما يُرفع الركام، بل عندما يُرفع لبنان من تحت ركام الفشل السياسي والزبائنية التي عطلت قيام الدولة الحديثة والمتطورة.









