أعاد قرار هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، الذي شمل منع التصرف بموجودات خزائن حديدية عائدة إلى أشخاص محدّدين، طرح أسئلة عن هذه الخدمة: ماذا يعرف المصرف عن محتويات الخزنة؟ هل يتوجب على العميل التصريح عنها؟ وكيف يمكن تجميد موجودات لا تظهر في كشف الحساب؟ القرار المتداول يخص أسماء معيّنة، ولا يشكّل تجميداً عاماً لخزائن العملاء.
أهمية النقاش تتجاوز القرار نفسه. فهو يكشف التباساً بين الحماية المادية والخصوصية من جهة، والحصانة القانونية من جهة أخرى. الخزنة تؤمّن مكاناً لحفظ المقتنيات، لكنها لا تُخرج هذه المقتنيات من نطاق القانون.
الخزنة ليست حساباً مصرفياً
عندما يودع العميل المال في حسابه، يصبح له رصيد يمثّل مطالبة مالية على المصرف. أما عندما يستأجر خزنة لحفظ مقتنياته، فهو يحصل على مساحة آمنة ولا تتحوّل محتوياتها بمجرد وضعها فيها إلى رصيد مصرفي.
قد تُستخدم الخزنة لحفظ النقد أو الذهب أو المجوهرات أو الوثائق والمقتنيات الثمينة. لكن هذه الاستخدامات المحتملة لا تسمح باستنتاج ما يوجد داخل خزنة بعينها، ولا تعني أن امتلاك خزنة أو الاحتفاظ بالنقد فيها يشكّل بحدّ ذاته شبهة.
هذا الاختلاف عن الوديعة يفسّر لماذا لا يجوز مساواة محتويات الخزنة بالأموال الخاضعة لقيود السحب المصرفية. لكنه لا يمنع شمولها بقرار قانوني يمنع صاحبها من التصرف بموجوداته.
ما يصرّح به العميل وما يعرفه المصرف
من الضروري التمييز بين تصريح العميل والتحقّق من صحة التصريح. فقد يقول المستأجر إن خزنته تحتوي ذهباً ووثائق، وقد يقدّم فواتير أو مستندات تدعم أقواله. لكن ذلك لا يؤكد أن هذه المقتنيات موجودة فعلاً داخل الخزنة، أو أنها تمثّل كامل محتوياتها.
أما المعاينة والجرد فيوثّقان الموجودات وقت إجرائهما، ولا يثبتان وحدهما مشروعية مصدرها أو ملكيتها، كما لا يضمنان بقاء المحتويات نفسها بعد السماح باستخدام الخزنة مجدداً أو جرد فعلي. وفي المقابل، وجود تصريح في ملف العميل لا يجيز للمصرف تقديمه على أنه تأكيد للمحتويات.
هل التصريح بالمحتويات واجب على الجميع؟
المادة الثالثة من قانون السرية المصرفية، كما عُدّلت بالقانون رقم 306/2022، تُخضع الخزائن المعنية لمتطلبات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما فيها العناية الواجبة وحفظ السجلات، وتحظر استمرار الصيغة التي لا تُعرف فيها هوية العميل إلا لدى مدير المصرف أو وكلائه. لكن هذه المادة لات تنصّ صراحةً على إلزام كل مستأجر بتقديم تصريح تفصيلي ودوري بمحتويات خزنته وقيمتها.
لذلك، لا يصح اعتبار التصريح الشامل واجباً عاماً لمجرد خضوع الخدمة للعناية الواجبة. وفي الوقت نفسه، لا تكفي قراءة هذه المادة وحدها لنفي أي التزام قد يرد في نص تطبيقي آخر أو في عقد الإيجار.
السؤال الدقيق عند مطالبة العميل بالتصريح هو: ما سند الطلب، وما نطاقه؟ هل يتعلق بطبيعة الاستخدام، أم بمصدر مقتنيات معيّنة، أم بقائمة تفصيلية؟ ومن منظور إدارة المخاطر، قد تستدعي بعض الحالات معلومات إضافية، لكن الحاجة إلى هذه المعلومات تختلف عن إثبات وجود واجب قانوني موحّد على جميع المستأجرين.
كيف تُجمَّد موجودات مجهولة القيمة؟
التجميد يستهدف منع التصرف بالموجودات، ولا يتطلّب بالضرورة تقييمها مسبقاً. ويمكن تنفيذ القرار، ثم معالجة مسائل الفتح والجرد والتقييم بإجراءات منفصلة.
ويُميّز قانون السرية المصرفية بين تجميد الأموال بقرار من هيئة التحقيق الخاصة وفق مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والحجز بقرار من المرجع القضائي المختص. لذلك، لا يجوز التعامل مع منع التصرف على أنه مصادرة نهائية أو حكم بالإدانة.
أما توقيت الإجراء، فلا يمكن تفسيره بمجرد مرور سنوات على الأزمة. تحديد أسباب اتخاذه الآن يحتاج إلى مستندات القرار ومعطيات التحقيق. ويظل السؤال عن فعاليته مشروعاً: فهو يحفظ الموجودات عند تنفيذه، ولا يعيد تلقائياً بناء تاريخ محتويات الخزنة.
لماذا قد تهتم المصارف المراسلة؟
تقيّم المصارف المراسلة طبيعة المصرف الذي تتعامل معه وقاعدة عملائه وبرنامجه لمكافحة الجرائم المالية. وتؤكد مبادئ مجموعة وولفسبيرغ أهمية العناية الواجبة القائمة على المخاطر في هذا التقييم
من هذا المنطلق، يُستنتج أن ضعف ضوابط خدمة الخزائن قد يثير أسئلة عن اتساق الامتثال داخل المصرف: هل يعرف المستأجر والمخوّلين باستخدام الخزنة؟ هل يعالج مؤشرات الخطر؟ وهل ينفّذ قرارات منع التصرف بفعالية؟
لكن هذا الاستنتاج لا يعني أن كل مصرف مراسل يطلب جرد كل خزنة، أو أن عليه معرفة كل عميل لدى المصرف اللبناني. فإرشادات مجموعة العمل المالي لا تفرض، كقاعدة عامة، إجراء العناية الواجبة على كل عميل من عملاء المصرف الذي يتلقى خدمة المراسلة.
المطلوب من المصارف هو الوضوح في ما تعرفه وما تتحقق منه، ومن العملاء فهم شروط الخدمة والتزاماتهم. فالخصوصية تستحق الحماية، والعناية الواجبة تستلزم معلومات وضوابط تتناسب مع المخاطر. ولا ينبغي تقديم تصريح العميل كأنه جرد مؤكّد، أو تقديم غياب الجرد كأنه إعفاء من مسؤولية.









